التعدين يستنزف المياه في تركيا.. وتحذيرات من تهديد الزراعة والأمن البيئي : CNN الاقتصادية


وكانت قرية غوناي في محافظة أوشاك غرب تركيا تُعرف بوفرة المياه بفضل 50 نبعاً طبيعياً، لكن السكان يقولون إن جميع هذه الينابيع جفّت منذ افتتاح منجم ذهب قبل نحو 20 عاماً.
وقال أوغور سومر، وهو ناشط بيئي ومن سكان القرية الواقعة على بُعد نحو 170 كيلومتراً شرق مدينة إزمير «في السابق كان يكفي الحفر على عمق 60 متراً للوصول إلى المياه، أما اليوم فحتى الحفر على عمق 400 متر لا يُجدي نفعاً، المنجم استهلك كل مياهنا».
قفزة كبيرة في تراخيص التعدين
ومنذ عام 2000 وسّعت تركيا بشكل متسارع منح تراخيص الحفر والتعدين، خصوصاً لمشروعات الذهب والفحم، إذ بلغ عدد التراخيص نحو 410 آلاف رخصة العام الماضي، بعد تبسيط الإجراءات عبر قانون جديد أُقرّ في يوليو تموز.
وخلال زيارة إلى كندا في مارس آذار، قال وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار إن القانون الجديد سيُسرّع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا.
كما التقى مسؤولين من منجم توبراج للذهب في أوشاك، التابع لشركة إلدورادو غولد الكندية، في وقت تسعى فيه تركيا إلى رفع إنتاج الذهب من 28 طناً إلى 100 طن سنوياً، إلى جانب تعزيز موقعها في سوق المعادن النادرة عالمياً.
لكن خبراء البيئة يرون أن هذا التوسع يأتي على حساب الموارد الطبيعية.
وأوضح التقرير أن استخراج المعادن، خاصة الذهب، لا يستهلك كميات ضخمة من المياه فقط، بل يعتمد أيضاً على مواد كيميائية مثل السيانيد، ما يزيد مخاطر التلوث البيئي والصحي.
ووفقاً للبيانات الرسمية، استهلك قطاع التعدين في عام 2024 نحو 5.8% من إجمالي استهلاك تركيا للمياه البالغ 20.3 مليار متر مكعب، أي أربعة أضعاف الكمية المستخدمة في عام 2016.
احتجاجات المزارعين تتسع
وفي هضبة أيباستي بمحافظة أوردو شمال شرق البلاد، خرج القرويون هذا الشهر احتجاجاً على خطط للتنقيب عن الذهب في مناطق زراعية يعتمدون عليها في معيشتهم.
وقالت نورية ديليك، وهي مربية ماشية تبلغ من العمر 48 عاماً «أُغلقت المراعي بسبب خطط الحفر الاستكشافي لمنجم ذهب، ماذا سنفعل إذا لم نعد قادرين على تربية المواشي؟ هل نترك أرضنا ونرحل؟».
وتعتمد المنطقة بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي، خاصة إنتاج البندق الذي يُصدر إلى الأسواق العالمية.
وقال عمر أيدين، وهو منتج ومصدّر للبندق «بمجرد افتتاح منجم الذهب لن نتمكن من زراعة البندق هنا، ما فوق الأرض أثمن مما تحتها، الذهب الحقيقي هو البندق الذي تنتجه هذه البلاد».
وأضاف أن السكان يشعرون بقلق شديد بعد تداول معلومات تفيد بأن نحو 80% من أراضي أوردو أُعلنت مناطق تعدين.
في المقابل، نفى مركز مكافحة التضليل الحكومي الشهر الماضي مزاعم استخدام «مساحات واسعة» من الأراضي للتعدين، مؤكداً أن المساحة الفعلية لا تتجاوز 0.18% من مساحة تركيا، ومندداً بمحاولات «تشويه سمعة قطاع التعدين».
اتهامات بسوء إدارة المياه
ويرى خبراء أن الأزمة تتجاوز التعدين وحده لتشمل سوء إدارة الموارد المائية، وقال عالم المياه إيرول كيسيجي «قطاع التعدين يستهلك كميات هائلة من المياه والمواد الكيميائية، والمشكلة لا تتوقف عند الاستهلاك بل تمتد إلى التلوث أيضاً».
وأضاف أن تركيا تواجه جفافاً هيدرولوجياً حاداً، مع تراجع مستويات الأمطار واستنزاف المياه الجوفية والأنهار والبحيرات.
وأوضح كيسيجي، الذي استقال مؤخراً من المجلس الوطني للمياه احتجاجاً على ما وصفه بـ«التقاعس»، أن تسوية الجبال لأغراض التعدين تُدمّر الأنظمة البيئية وتؤدي إلى تكوين جزر حرارية تُقلل من معدلات هطول الأمطار وتُضعف مخزون المياه الجوفية.
من جانبه، حذر المحامي والناشط البيئي عارف علي جانجي من أن التشريعات الجديدة التي تسمح للشركات بالاستيلاء على الأراضي الزراعية أو تغيير تصنيفها لصالح التعدين ستفاقم الأزمة.
وقال «تقييمات الأثر البيئي وآليات الرقابة أصبحت عديمة الفاعلية تقريباً، ولم تعد هناك عوائق حقيقية أمام إقامة عمليات التعدين في أي مكان».
وأشار إلى أن السلطات تستخدم إجراءات طارئة لتسريع منح التراخيص وتمكين الشركات من الاستحواذ الفوري على الأراضي، في خطوة يقول إنها تهدف إلى الحد من تصاعد الاحتجاجات الشعبية.
التلوث يهدد مستقبل الزراعة
وفي منطقة إكيزكوي التابعة لمحافظة موغلا، يواصل السكان احتجاجاتهم لحماية بساتين الزيتون من خطط توسيع منجم فحم قريب.
أما في غوناي، فيرى السكان أن القضية أصبحت مسألة بقاء.
وقال أوغور سومر إن نحو ألفي شخص عانوا عام 2006 من الدوار والغثيان ومشكلات في البصر بعد هطول الأمطار، مشيراً إلى أن الفحوص أظهرت وجود السيانيد في الدم.
وأضاف «التلوث يقضي على تربية المواشي ومحاصيل العنب التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، أصبحنا نتساءل كيف سنتمكن من البقاء».
(أ ف ب)




