إعادة ملء الاحتياطي النفطي الأميركي.. مهمة قد تستغرق سنوات : CNN الاقتصادية


رغم إعلان اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فإن أحد أكبر التحديات التي ستواجه أسواق النفط خلال المرحلة المقبلة لن يكون استئناف تدفقات الخام فقط، بل إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية التي استنزفتها الحكومات خلال الحرب، وعلى رأسها الاحتياطي النفطي الأميركي.
ووفق ما يقوله المحللون، فانه بعد أشهر من السحب المكثف لمواجهة اضطرابات الإمدادات واحتواء ارتفاع الأسعار، تراجع حجم الاحتياطي النفطي الأميركي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة عقود، ما يفتح الباب أمام سباق عالمي على شراء البراميل خلال السنوات المقبلة ويهدد بإبقاء السوق في حالة شح نسبي حتى بعد انتهاء الأزمة العسكرية.
وتشير بيانات وزارة الطاقة الأميركية إلى أن مخزونات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي انخفضت إلى 340.3 مليون برميل فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983، بعدما سمحت الإدارة الأميركية بسحب 8.9 مليون برميل إضافية خلال الأسبوع الماضي.
وجاء هذا الانخفاض بعد أشهر من استخدام الاحتياطي كأداة رئيسية لاحتواء تداعيات الحرب مع إيران واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، إذ تراجع المخزون بنحو 75 مليون برميل منذ اندلاع الصراع في نهاية فبراير، بما يعادل نحو 18% من إجمالي الاحتياطي، وتعني هذه الأرقام أن الاحتياطي الأميركي أصبح ممتلئاً بأقل قليلاً من نصف سعته التخزينية البالغة نحو 714 مليون برميل.
منافسة عالمية على البراميل
يرى بارني جراي، المتخصص في أسواق النفط لدى ICIS، أن إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي خلال فترة قصيرة ستكون مهمة شديدة الصعوبة، «حيث يستعد العالم لدخول مرحلة من المنافسة الحادة على البراميل المتاحة خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، مع سعي الاقتصادات الكبرى إلى إعادة بناء احتياطياتها النفطية بعد استنزاف جزء منها خلال الحرب».
وأضاف جراي، أن هذا السباق لن يقتصر على الولايات المتحدة فقط، بل سيشمل العديد من الحكومات والمصافي التي ستسعى إلى إعادة تكوين مخزوناتها التشغيلية والاستراتيجية في وقت واحد.
ويضيف أن أسعار تصدير خام غرب تكساس الوسيط لا تزال جذابة للمنتجين الأميركيين، ما يجعل الأسواق الخارجية منافساً مباشراً للحكومة الأميركية على كل برميل متاح، «وهذا العامل سيجعل عملية إعادة ملء الاحتياطي أكثر تعقيداً، خصوصاً مع استمرار الطلب العالمي القوي على الخام الأميركي».
فجوة ضخمة تحتاج إلى سنوات
ويقول المتخصص في أسواق النفط لدى ICIS، إن المشكلة الآن لا تقتصر على الكميات التي سُحبت خلال الحرب الحالية فقط، إذ لم يتمكن الاحتياطي الأميركي حتى الآن من استعادة المستويات التي كان عليها قبل أزمة روسيا وأوكرانيا، «حيث لا يزال الاحتياطي أقل بنحو 375 مليون برميل مقارنة بالذروة التي سجلها خلال عامي 2010 و2011، ومن المرجح أن تعتمد الحكومة الأميركية على مناقصات شراء دورية لإعادة بناء المخزون، لكن حتى في حال شراء 10 ملايين برميل في كل مناقصة، فإن سد هذه الفجوة الضخمة سيحتاج إلى فترة زمنية طويلة»
وأضاف جراي، أن جزءاً من الكميات قد يعود بصورة أسرع نسبياً عبر القروض النفطية الطارئة التي حصلت عليها شركات الطاقة خلال الأزمة، والتي يتعين سدادها لاحقاً بكميات إضافية من النفط، «وعلى الرغم من أن الطاقة النظرية القصوى لاستقبال النفط في الاحتياطي تصل إلى 4.4 مليون برميل يومياً، فإن الواقع العملي يبدو مختلفاً تماماً، فبين يوليو 2023 وفبراير 2026 ارتفع حجم الاحتياطي من 346 مليون برميل إلى 415 مليون برميل فقط، أي بمعدل إعادة تعبئة بلغ نحو 75 ألف برميل يومياً».
وأضاف المتخصص في أسواق النفط لدى ICIS، أنه وحتى إذا تم تسريع هذه الوتيرة عشرة أضعاف لتصل إلى 750 ألف برميل يومياً، فإن إعادة بناء الاحتياطي بالكامل ستستغرق نحو 500 يوم، محذراً من أن السوق قد لا تكون قادرة أساساً على توفير كميات إضافية بهذا الحجم يومياً، في ظل استمرار ضيق الإمدادات العالمية خلال الفترة المقبلة.
ترامب قد يواصل السحب
وفي المقابل، يتوقع كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management إرن لوهمان راسموسن، أن تواصل الإدارة الأميركية استخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي خلال الأشهر المقبلة بدلاً من البدء فوراً في إعادة ملئه.
ويشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تفضل إبقاء أسعار النفط منخفضة قدر الإمكان قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، وهو ما قد يدفعها إلى مواصلة السحب من الاحتياطي خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة.
لكن راسموسن يحذر من أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة، «ففي حال تجدد التوترات مع إيران أو تعثر اتفاق السلام، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام أزمة جديدة من دون امتلاك هامش أمان كافٍ داخل الاحتياطي الاستراتيجي للتدخل وتهدئة الأسعار».
وأضاف كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management، أن احتمالات بدء إعادة ملء الاحتياطي خلال عام 2026 لا تزال ضعيفة، مرجحاً أن تبدأ العملية خلال عام 2027 إذا تراجعت أسعار النفط إلى مستويات أوائل السبعينيات للبرميل أو أقل، «وأن أي برنامج لإعادة البناء سيكون بطيئاً للغاية، وقد يمتد طوال ما تبقى من ولاية ترامب وربما خلال ولاية الرئيس الذي سيخلفه».
ولا يتوقع راسموسن أن يتمكن الاحتياطي الأميركي من العودة إلى المستويات التي كان عليها قبل الحرب الإيرانية خلال السنوات القليلة المقبلة.
إعادة بناء المخزونات العالمية
فبحسب راسموسن، من المرجح أن تبدأ الحكومات والمصافي في أوروبا وآسيا بإعادة تكوين مخزوناتها الاستراتيجية من المنتجات النفطية، خصوصاً وقود الطائرات وزيت الغاز.
ويتوقع أن تتم هذه العملية بوتيرة أسرع نسبياً مقارنة بالاحتياطي الأميركي، في محاولة لتجنب تكرار أزمة نقص الإمدادات إذا شهدت المنطقة اضطرابات جديدة أو عادت التهديدات لمضيق هرمز.
ويشير إلى أن المخزونات التجارية الأميركية من وقود الطائرات لا تزال عند مستويات مقبولة نسبياً، في حين أن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي يحتوي على النفط الخام فقط ولا يشمل المنتجات المكررة.




