سوق النفط العالمي في مأزق.. صدمة إمدادات وطلب غير مستقر : CNN الاقتصادية


في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ أسواق الطاقة، حيث تتصاعد التوترات الأميركية الإيرانية ما تسبب في إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شريان الطاقة العالمي، يرسم معهد أكسفورد للطاقة صورة لسوق نفط عالمي عالق بين صدمة إمدادات غير مسبوقة واستجابة طلب غير مستقرة، مع استمرار الحرب الإيرانية واضطراب تدفقات النفط عبر المضيق، ما يحوّل الأزمة من حدث جيوسياسي مؤقت إلى اختلال هيكلي ممتد.
يقول المعهد في تقرير له، إنه على الرغم من التوقع بانخفاض التصعيد بين الجانبين الأميركي والإيراني بشكل تدريجي بعد أن بلغ التصعيد ذروته خلال أبريل نيسان الحالي، فإن مسار تعافي سوق النفط يبدو بطيئاً، إذ لن تعود تدفقات مضيق هرمز إلى أكثر من 95% من مستويات ما قبل الأزمة إلا بحلول الربع الرابع من 2026، ما يعني بقاء السوق في حالة نقص فعلي ممتد لعدة أشهر.
صدمة إمدادات غير مسبوقة
ووفق المعهد، فإن إغلاقات الإنتاج في منطقة الشرق الأوسط بلغت 12.1 مليون برميل يومياً في مارس آذار، مع توقع ارتفاعها إلى 12.7 مليون برميل يومياً بنهاية أبريل نيسان الحالي، مقارنة بمستويات فبراير شباط قبل اندلاع الحرب، في واحدة من أكبر الصدمات الشهرية في تاريخ سوق النفط. ومع استمرار شبه إغلاق مضيق هرمز فترة طويلة، لم تتجاوز تدفقات الشحنات سوى 16% من مستويات ما قبل الأزمة خلال أبريل نيسان، مقارنة بـ9 % فقط في مارس آذار، ما يعكس حجم الاختناق الفعلي في شريان الطاقة العالمي.
ويتوقع المعهد استمرار فقدان نحو 1.1 مليون برميل يومياً من الإمدادات حتى نهاية العام، ارتفاعاً من تقديرات سابقة عند 500 ألف برميل يومياً، ما يعكس طول أمد الأزمة وتعقيد مسارات التعافي.
أوبك+ في قلب العاصفة
ويقول أكسفورد للطاقة إن تطورات التصعيد بين الجانبيين الأميركي والإيراني انعكست بشكل مباشر على أداء تحالف أوبك+، حيث تم خفض توقعات إنتاجه بشكل حاد، مع تسجيل انكماش قدره -3.8 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026 على أساس سنوي. وعلى مستوى العام الكامل، يُتوقع أن ينكمش إنتاج خام أوبك+ بنحو 1.8 مليون برميل يومياً، قبل أن يسجل تعافياً محدوداً قدره 1.9 مليون برميل يومياً في 2027، ما يعكس صعوبة استعادة الطاقة الإنتاجية سريعاً.
وأضاف المعهد أن إنتاج إيران من النفط الخام انخفض إلى متوسط 2.75 مليون برميل يومياً في 2026، نتيجة الأضرار المادية والحصار البحري، بينما يُتوقع انكماش إنتاج بعض المنتجين الإقليميين في ظل القيود اللوجستية وتحديات التصدي، وفي المقابل، تظل الإمدادات من خارج أوبك+ محدودة، مع توقعات نمو عند 440 ألف برميل يومياً في 2026 و680 ألف برميل يومياً في 2027، وهو ما لا يكفي لتعويض الفجوة الكبيرة في السوق.
ويتوقع المعهد أن ينكمش المعروض العالمي من سوائل الغاز الطبيعي بمقدار 370 ألف برميل يومياً في 2026، قبل أن يرتد بنحو 600 ألف برميل يومياً في العام التالي.
الطلب تحت الضغط.. آسيا تقود التراجع
على جانب الطلب، تعكس تقديرات معهد أكسفورد للطاقة تحولاً واضحاً في ديناميكيات الاستهلاك، حيث تم خفض توقعات نمو الطلب العالمي في 2026 إلى 750 ألف برميل يومياً، مع تسجيل انكماش فعلي خلال الربع الثاني بنحو 690 ألف برميل يومياً على أساس سنوي، ويأتي هذا التراجع بعد نمو بلغ 880 ألف برميل يومياً في الربع الأول، ما يعكس تغيراً حاداً في اتجاه السوق خلال فترة قصيرة.
ويرى المعهد أن الضربة الأكبر تتركز في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث تم خفض نمو الطلب إلى 840 ألف برميل يومياً، مدفوعاً بندرة المنتجات النفطية واستجابات السياسات، خاصة في آسيا، أما في دول المنظمة، فمن المتوقع أن ينكمش الطلب بنحو 100 ألف برميل يومياً خلال 2026، مع تراجع ملحوظ في آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا، في حين يظل النمو في الولايات المتحدة محدوداً عند 60 ألف برميل يومياً فقط».
ويقول أكسفورد للطاقة إن الضغوط تظهر بشكل أوضح في المنتجات البتروكيماوية، حيث انخفضت مكونات مثل غاز البترول المسال والإيثان والنافثا بنحو 340 ألف برميل يومياً، تليها نواتج التقطير الوسطى مثل الديزل بانخفاض 140 ألف برميل يومياً، ثم وقود الطائرات بنحو 90 ألف برميل يومياً.
عجز يتسع.. والسوق يفقد توازنه
ورفع المعهد من تقديرات العجز في سوق النفط العالمي لعام 2026 إلى 2.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ1.9 مليون برميل يومياً سابقاً، ما يعكس اتساع الفجوة بين العرض والطلب، حيث من المتوقع أن يبلغ العجز ذروته خلال الربع الثاني عند 4.6 مليون برميل يومياً، في ظل استمرار اضطرابات الإمدادات وغياب استجابة كافية من المنتجين خارج أوبك+.
ويتوقع المعهد أن يتراجع العجز في سوق النفط العالمي خلال النصف الثاني من العام، إلى متوسط 980 ألف برميل يومياً، بافتراض خفض التصعيد وعودة تدريجية للتدفقات، قبل أن ينخفض إلى 180 ألف برميل يومياً في الربع الأول من 2027. وعلى مدار عام 2027 بالكامل، يُتوقع أن يتحول السوق إلى فائض طفيف يبلغ 100 ألف برميل يومياً، ما يشير إلى عودة تدريجية للتوازن، ولكن بعد فترة طويلة من الاختلال.
الأسعار.. تقلبات حادة وفجوة بين الورقي والفعلي
ويقول المعهد إنه رغم شدة الأزمة، تم خفض توقعات خام برنت لعام 2026 بشكل طفيف إلى 91 دولاراً للبرميل، مع الحفاظ على توقعات 2027 عند 81 دولاراً، لكن المسار الفعلي للأسعار يكشف عن تقلبات حادة، حيث يُتوقع أن يصل متوسط السعر إلى 102 دولار في الربع الثاني من 2026، ثم 95 دولاراً في الربع الثالث، قبل أن يتراجع إلى 86 دولاراً في الربع الرابع.
وفي عام 2027، يتوقع المعهد انخفاض السعر إلى منتصف السبعينيات في النصف الأول، قبل أن يعاود الارتفاع في النصف الثاني مع استمرار الاختلالات الهيكلية، تعكس هذه التحركات فجوة واضحة بين الأسواق الورقية والأسواق الفعلية، حيث ظلت الأسعار الفورية مدعومة بندرة البراميل وارتفاع هوامش المنتجات، حتى مع تراجع العقود الآجلة في بعض الفترات.
مسارات متعددة.. وسوق عالق بين سيناريوهين
ويقول المعهد إن التقديرات تشير إلى أن سوق النفط يواجه مسارين رئيسيين، أولهما استمرار ضغوط الإمدادات، خاصة في حال تصاعد الاضطرابات أو امتدادها، وهو ما قد يبقي الأسعار فوق 100 دولار للبرميل حتى نهاية 2026، بل ويدفع توقعات 2027 إلى نحو 90 دولاراً للبرميل.
أما المسار الثاني، فيتمثل في استجابة أقوى من الطلب، حيث قد تؤدي الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار إلى تباطؤ حاد أو حتى نمو صفري في 2026، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أدنى تصل إلى منتصف الستينيات.
ويرى المعهد، أنه بين هذين المسارين، يبقى السوق في حالة توازن هش، حيث تتقارب مخاطر نقص الإمدادات مع احتمالات تراجع الطلب، في بيئة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، حيث تعكس التقديرات اتساع نطاق الأسعار المتوقع، حيث قد يتراوح خام برنت بين 74 و108 دولارات للبرميل في 2026، وبين 63 و98 دولاراً في 2027، ما يعكس حجم الضبابية التي تحيط بالسوق.




