الغاز المسال في عنق الزجاجة واضطرابات هرمز تتحول إلى واقع ممتد : CNN الاقتصادية


في تطور يعكس عمق التحولات الجارية في أسواق الطاقة، تتجه سوق الغاز الطبيعي المسال نحو واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، مع تحوّل اضطرابات إمدادات الغاز وإغلاق مضيق هرمز من صدمة مؤقتة إلى أزمة ممتدة تضرب قلب التوازنات العالمية، وتعيد رسم مسارات التجارة وتدفقات الإمدادات بين القارات.
تقول شركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة، إن شهر مارس آذار الماضي مثّل نقطة انعطاف حادة، حيث تقلص إنتاج الغاز الطبيعي المسال بشكل ملحوظ نتيجة توقف الشحنات عبر المضيق، ما أدى إلى إزالة نحو 5 ملايين طن على أساس شهري و7 ملايين طن على أساس سنوي من التوازنات العالمية، في واحدة من أكبر الخسائر المفاجئة في الإمدادات خلال سنوات.
وأضافت الشركة، أنه رغم دخول منتجين آخرين لتعويض جزء من الفجوة، فإن الانخفاض الصافي في المعروض بلغ نحو 1.7 مليون طن فقط، ليستقر الإجمالي عند أقل بقليل من 35 مليون طن، «وهو ما يعكس حقيقة أساسية، أن السوق لا تزال قادرة على امتصاص الصدمة جزئياً، لكنها تقترب بسرعة من حدود طاقتها القصوى».
الشرق الأوسط يتراجع.. ومراكز الإنتاج العالمية تحت الضغط
وتقول ريستاد إنرجي في تقرير لها، إن الضربة الأكبر جاءت من الشرق الأوسط، حيث سجّل مجمع رأس لفان في قطر تراجعاً سنوياً ضخماً بلغ 6.4 مليون طن، فيما فقدت منشأة جزيرة داس في الإمارات نحو 0.43 مليون طن، ما يعكس التأثير المباشر لتعطل أحد أهم مراكز الإنتاج والتصدير عالمياً، «وفي محاولة لاحتواء الأزمة، برزت زيادات ملحوظة من مشاريع متعددة حول العالم، حيث أضاف مشروع الغاز المسال في كندا نحو 1.0 مليون طن، ومشروع Plaquemines نحو 1.5 مليون طن، إلى جانب ارتفاعات في نيجيريا وأنغولا ومشاريع أستراليا».
وأعلنت «قطر للطاقة» حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال، في مارس الماضي، إذ أعلنت وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به بسبب هجمات استهدفت منشآت في مدينة رأس لفان الصناعية.
وفي المقابل، ظهرت اختناقات إضافية خارج الشرق الأوسط، أبرزها تراجع إنتاج Darwin LNG نتيجة مشكلات تشغيلية، إضافة إلى تأثير الأعاصير والصيانة في أستراليا، ما حدّ من قدرة السوق على التعافي السريع.
الطلب العالمي ينكمش.. وآسيا في قلب الصدمة
وتقول ريستاد إنرجي، إنه على جانب الطلب، لم يكن المشهد أقل تعقيداً، حيث انخفضت الواردات العالمية بنحو 1.5 مليون طن، أي ما يعادل 7.5% على أساس سنوي، مدفوعة بشكل رئيسي بتراجع حاد في شرق آسيا، «وسجلت الصين واليابان وكوريا الجنوبية انخفاضات كبيرة تراوحت بين 0.76 و1.0 مليون طن لكل دولة، فيما تراجعت واردات الهند وباكستان والكويت بوتيرة أقل، لكنها تعكس الاتجاه ذاته».
وأضافت الشركة، أن هذا التراجع يعكس مزيجاً من ضعف الطلب الصناعي وارتفاع الأسعار، إلى جانب تحولات تكتيكية في سياسات الطاقة، حيث لجأت بعض الدول إلى بدائل مثل الفحم لتقليل التكاليف، ما يعكس بداية تآكل الطلب تحت ضغط الأسعار، «حيث في الصين تحديداً، انخفضت الواردات بنسبة 14.9% في فبراير شباط، مع استمرار التراجع في مارس، نتيجة تأثير عطلات رأس السنة وضعف النشاط الصناعي، رغم تحسن فرص التحكيم السعري».
أوروبا صامدة.. ولكن عند حدودها القصوى
وترى ريستاد، أن أوروبا قد أظهرت قدرة نسبية على امتصاص الصدمة، حيث استقرت وارداتها عند نحو 32.2 مليار متر مكعب في مارس، مدعومة بزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، خاصة من الولايات المتحدة، «كما ظلت تدفقات خطوط الأنابيب مستقرة إلى حد كبير، مع ارتفاع طفيف في الإمدادات من إفريقيا، واستمرار التدفقات الروسية عبر خط ترك ستريم قرب طاقتها القصوى، إلى جانب تراجع محدود في الإمدادات النرويجية، لكن هذا الاستقرار يخفي واقعاً أكثر هشاشة، إذ تعمل معظم نقاط دخول الغاز إلى أوروبا بالقرب من طاقتها القصوى، ما يحد من أي قدرة إضافية على زيادة الواردات في حال تفاقم الأزمة».
وتقول شركة تحليلات الطاقة، إن الأحوال الجوية المعتدلة ساعدت في دعم المخزونات في دول الاتحاد الأوروبي، التي بلغت نحو 28.4%، إلا أن هذا العامل قد لا يستمر مع دخول فترات الطلب المرتفع.
الأسعار ترتفع.. والأسواق المالية تضخم التقلبات
وترى ريستاد إنرجي، أن صدمة إمدادات الغاز المسال قد انعكست بشكل مباشر على الأسعار، حيث ارتفع مؤشر الغاز الأوروبي إلى نحو 16 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بـ9–10 دولارات قبل الأزمة، فيما بلغ السعر في آسيا نحو 17 دولاراً، «لكن الأسواق المالية لعبت دوراً إضافياً في تضخيم التقلبات، حيث تراجعت مراكز صناديق الاستثمار في العقود الآجلة بشكل حاد، مقابل استقرار نسبي في المراكز الطويلة، ما أدى إلى ارتفاع صافي المراكز».
وتقول الشركة، إن هذا التراكم قد يؤدي إلى تحركات سعرية حادة في حال تغيرت التوقعات أو انخفضت التوترات، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تطورات سياسية.
الولايات المتحدة تتقدم.. لكن بهامش محدود
وبرزت الولايات المتحدة الأميركية كأكبر مصدر لتعويض النقص، حيث زادت صادراتها بنحو 1.5 مليون طن مقارنة بفبراير، وبنسبة 21% على أساس سنوي، «كما حافظ الطلب على غاز التغذية على مستويات قياسية عند 18.8 مليار قدم مكعبة يومياً، مع تشغيل المرافق عند مستويات تفوق طاقتها التصميمية».
اختلالات هيكلية.. والبنية التحتية تحت ضغط متزايد
وتقول ريستاد إنرجي، إن الأزمة الحالية تُظهر أن التحديات لا تقتصر على الإنتاج والطلب، بل تمتد إلى البنية التحتية، حيث أدت الأعاصير والصيانة إلى تعطيلات إضافية، خاصة في أستراليا، إلى جانب توقفات في بعض المشاريع الجديدة.
وأضافت شركة تحليلات الطاقة، أنه في الشرق الأوسط، أدت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية إلى فقدان جزء من القدرة الإنتاجية، مع تقديرات تشير إلى خسائر قد تصل إلى 32 مليون طن خلال 2026، وقد ترتفع إلى 40 مليون طن في سيناريو أكثر تشاؤماً، «في حال تصعيد الصراع، قد يتعرض ما يصل إلى 68 مليون طن من الإمدادات للخطر، ما يمثل صدمة هيكلية ضخمة للسوق العالمية».
أوروبا وآسيا.. سباق على الشحنات في سوق مقيدة
وتقول ريستاد إنرجي، إن التدفقات العالمية تعكس سباقاً متزايداً بين أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة، حيث بلغت واردات أوروبا نحو 11.85 مليون طن في مارس، مع اعتماد كبير على الولايات المتحدة وروسيا وقطر، «لكن هذا التوازن قد لا يستمر، إذ إن الشحنات القطرية التي دعمت السوق الأوروبية تم تحميلها قبل إغلاق مضيق هرمز، ما يعني احتمال تراجع الإمدادات خلال الأشهر المقبلة».
وترى شركة تحليلات الطاقة، أن آسيا تواجه ضغطاً أكبر، حيث انخفضت وارداتها بنسبة 13.1% على أساس سنوي، مع تراجع حاد في تدفقات قطر بنسبة 61%، وقد تصل إلى الصفر في أبريل بسبب تأخر الشحن.
أسعار مرتفعة الآن.. وتوازن مؤجل
وتتوقع ريستاد إنرجي، استمرار الأسعار المرتفعة على المدى القريب نتيجة نقص الإمدادات، قبل أن تبدأ في التراجع تدريجياً مع عودة التوازن خلال السنوات المقبلة، «وتعكس هذه التوقعات ارتفاع التكلفة الهيكلية للإمدادات، خاصة الغاز الأميركي، ما يعني أن الأسعار المستقبلية ستظل أعلى من المتوسطات التاريخية. كما بدأ تأثير الأسعار المرتفعة يظهر في مزيج الطاقة، حيث تراجع استخدام الغاز في توليد الكهرباء في أوروبا بنسبة 9.6%، مقابل زيادة استخدام الفحم، ما يعكس فقدان الغاز لجزء من تنافسيته».




