إعادة ضبط لا تراجع.. كيف تغير التنفيذ دون المساس بمستهدفات خفض الانبعاثات للاتحاد الأوروبي؟ : CNN الاقتصادية


يواجه الاتحاد الأوروبي اختباراً حقيقياً لطموحاته المناخية طويلة الأجل، ليس من حيث الأهداف المعلنة، بل من حيث قدرته على تنفيذها في بيئة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة وتصاعد المخاطر الجيوسياسية الناتجة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.
فالهدف الأوروبي يتمثل خفض الانبعاثات بنسبة 90% بحلول عام 2040 مقارنة بمستويات 1990، لكن الطريق نحو هذا الهدف لم يعد خطياً كما كان يُتصور سابقاً، بل أصبح مساراً مرناً يتشكل تحت ضغط الواقع الاقتصادي والتنافسي، واعتبارات أمن الطاقة التي عادت بقوة إلى قلب صنع القرار.
وخلال نوفمبر تشرين الثاني الماضي أعلنت دول الاتحاد الأوروبي مراجعة وتحديث خططها المناخية الوطنية، المعروفة باسم «المساهمات المحددة وطنياً» (NDCs)، لتمديد سنوات الأهداف من 2030 إلى 2035، بينما لم تستمر قمة المناخ كوب 30 في الإعلان عن خارطة طريق للانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري، لتستكمل ما بدأته قمة كوب 28.
كما توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق نهائي حول أهدافه المناخية للفترة الممتدة بين عامي 2035 و2040 بعد مفاوضات شاقة، وذلك عشية انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 30» في مدينة بيليم البرازيلية، إذ إنه بموجب الاتفاق حافظ الاتحاد الأوروبي على هدفه المعلن بخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنسبة 90% بحلول عام 2040 مقارنة بعام 1990، في حين بلغت نسبة الخفض حتى عام 2023 نحو 37%.
إعادة ضبط لا تراجع.. كيف تغيّر التنفيذ دون المساس بالهدف
تقول شركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة إنه خلال السنوات الماضية سعى الاتحاد الأوروبي إلى تقديم نفسه كنموذج عالمي للقيادة المناخية، عبر حزمة سياسات صارمة تستهدف إزالة الكربون من الاقتصاد تدريجياً، “لكن التطورات الأخيرة، من حرب إيران إلى اضطرابات إمدادات الغاز، دفعت صانعي السياسات إلى إعادة النظر في أدوات التنفيذ، حيث إن دول الاتحاد الأوروبي بدأت العمل على إعادة تصميم آلياته بما يسمح بتحقيق التوازن بين الالتزامات البيئية والحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، التي باتت تواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة العالمية”.
وترى ريستاد أن نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي يظل هو العمود الفقري لسياسة المناخ الأوروبية، إذ يعتمد على تسعير الانبعاثات لدفع الشركات نحو الاستثمار في تقنيات نظيفة، “لكن ما كشفت عنه الأشهر الأخيرة هو أن هذا النظام لم يعد محكوماً فقط بأساسيات السوق، بل أصبح أكثر عرضة للتقلبات السياسية”.
وأضافت شركة تحليلات الطاقة أن بعد موجة صعود قوية في أسعار مخصصات الكربون، مدفوعة بتوقعات الطلب الصناعي، شهدت الأسعار تراجعاً حاداً دون تغيرات جوهرية في العرض أو الطلب، “ومع تصاعد المخاوف من تأثير الأسعار المرتفعة على الصناعة، ما فتح الباب أمام إعادة تقييم تصميم النظام نفسه”.
وتعمل دول الاتحاد الأوروبي حالياً على تعديل عامل التخفيض الخطي (LRF)، الذي يحدد سرعة خفض سقف الانبعاثات سنوياً، حيث إن المقترحات الحالية تشير إلى خفضه من 4.4% إلى نحو 3.4%، في محاولة لتخفيف الضغط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وترى ريستاد إنرجي أن هذا التعديل، رغم أهميته السياسية، لا يُحدث صدمة في السوق على المدى القصير، لكنه يعيد رسم المسار طويل الأجل، مع تأخير الوصول إلى الحياد الكربوني بنحو ثلاث سنوات تقريباً، “بعبارة أخرى، الاتحاد الأوروبي لا يغير الوجهة، بل يبطئ السرعة”.
مرونة إضافية.. ائتمانات الكربون وآليات الاستقرار
ويناقش صانعو السياسات في دول الاتحاد الأوروبي توسيع استخدام ائتمانات الكربون الدولية ضمن إطار اتفاق باريس، وهو تحول مهم في نهج الاتحاد الذي كان يفضل تقليص الاعتماد على هذه الأدوات.
وتلتزم الدول الأطراف في اتفاق باريس بتحديث المساهمات المحددة وطنياً كل خمس سنوات، وهي الخطط التي توضّح كيف تنوي الدول خفض انبعاثات غازات الدفيئة وتعزيز الأهداف المناخية العالمية، «وقبيل COP30، كان مطلوباً من الأطراف تقديم الجولة الثالثة من هذه المساهمات، مع تمديد التزامات التخفيف بوضع أهداف كمية حتى عام 2035».
وترى ريستاد إنرجي أن إدخال هذه الاعتمادات قد يوفر مرونة إضافية ويخفف الضغط على أسعار الكربون، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول مدى الاعتماد على التخفيضات الخارجية بدلاً من خفض الانبعاثات داخلياً، “كما يجري بحث إنشاء آليات لتثبيت الأسعار، مثل “مكبح طوارئ” يسمح بالتحكم في المعروض من المخصصات خلال فترات التقلب الحاد، في محاولة لتحقيق توازن بين استقرار السوق وتحفيز الاستثمار.
وتقول شركة تحليلات الطاقة إن هذه المرونة تحمل معها مخاطر واضحة، أبرزها تقويض مصداقية الإطار التنظيمي، فالشركات التي استثمرت بناء على توقعات بارتفاع تدريجي ومستمر في أسعار الكربون، قد تعيد حساباتها إذا شعرت أن القواعد قابلة للتغيير تحت الضغط السياسي، كما أن تمديد الحصص المجانية أو تخفيف الالتزامات قد يضعف الحوافز طويلة الأجل لإزالة الكربون، ويخلق حالة من عدم اليقين حول مستقبل تسعير الكربون في أوروبا.
الهيدروجين والاستدامة.. طموح كبير وتنفيذ أبطأ
ويواصل الاتحاد الأوروبي دفع استثمارات ضخمة في مجالات مثل الهيدروجين المتجدد، مع هدف إنتاج 10 ملايين طن محلياً واستيراد 10 ملايين طن إضافية بحلول 2030.
وقد تم تخصيص نحو 40 مليار يورو لدعم هذا القطاع عبر أدوات متعددة، إلا أن التقدم الفعلي لا يزال دون المستوى المطلوب، ما يعكس فجوة بين الطموح السياسي والقدرة التنفيذية.
وفي الوقت ذاته يتم تعديل عدد من اللوائح المرتبطة بالاستدامة، مثل متطلبات الإفصاح، لتقليل العبء على الشركات، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن الانتقال الطاقي يجب أن يكون اقتصادياً قابلاً للتطبيق، وليس فقط بيئياً طموحاً.




