عكس الاتجاه.. مخزونات النفط مصدر قلق للسوق ولأسعار الوقود : CNN الاقتصادية


تمر أسواق الطاقة العالمية بلحظة شديدة التعقيدات بعد تراجع مخزونات النفط العالمية والتي تشير إلى خلل هيكلي يتشكل في قلب النظام النفطي، حيث تبدأ الأسعار في التحرك ليس فقط وفق معادلات العرض والطلب، بل وفق تقدير المخاطر المستقبلية واحتمالات انقطاع الإمدادات.
ذكر بنك غولدمان ساكس أن مخزونات النفط العالمية تقترب من أدنى مستوياتها خلال ثماني سنوات محذراً من أن سرعة نضوب هذه المخزونات أصبحت مصدر قلق مع استمرار تقييد الإمدادات عبر مضيق هرمز.
يقول ديفيد جوربناز، محلل أسواق النفط لدى ICIS، إن فهم دور المخزونات يتطلب إعادة النظر في الطريقة التقليدية لقراءتها، «المخزونات لا تقود السوق، بل تكشف ديناميكياته، فحين تبدأ في التراجع، فهذا يعني أن السوق أكثر تشدداً مما يبدو على الورق، وأن هناك فجوة حقيقية يجري سدها بصمت بين العرض والطلب، أو بشكل أدق بين الإمدادات المتاحة والإمدادات القابلة للتسليم».
وأضاف جوربناز، أن سوق النفط العالمي تدخل الآن في مرحلة انتقالية يعاد فيها تشكيل آلية التسعير بالكامل، حيث يتحول التركيز من الحاضر إلى المستقبل، وتبدأ الأسعار في عكس احتمالات المخاطر بدلاً من الواقع الفعلي فقط.
وقدر بنك غولدمان أن إجمالي مخزونات النفط العالمية بلغت 101 يوماً من الطلب العالمي، وربما تنخفض إلى 98 يوماً بحلول نهاية مايو أيار الحالي، «حيث من غير المرجح أن تصل المخزونات العالمية الإجمالية إلى الحد الأدنى من المستويات التشغيلية هذا الصيف، فإن سرعة استنفاد المخزونات وفقدان الإمدادات في بعض المناطق والمنتجات تبعث على القلق».
تحول هيكلي في آلية التسعير
ويقول محلل أسواق النفط لدى ICIS، إنه مع استمرار انخفاض المخزونات، تتغير طبيعة السوق بشكل أعمق، إذ تتسع الفروقات السعرية الفورية، وتصبح الأسعار أكثر ارتباطاً بالتدفقات الفعلية والقيود اللوجستية، بدلاً من اعتمادها التقليدي على المؤشرات الاقتصادية الكلية، «حيث تضطر الأسواق إلى سحب النفط من مصادر أبعد وأكثر تعقيداً، ما يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتكرير، وهو ما يرفع بدوره سعر التوازن العالمي».
ويقول جوربناز، إن التأثير لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد ليغير سلوك السوق نفسه، حيث تصبح الحساسية لأي اضطراب أعلى، ويزداد التفاعل مع الأخبار الجيوسياسية بشكل حاد، خاصة في ظل استمرار التوترات في مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق رئيسية لتدفقات النفط العالمية.
من تشدد مؤقت إلى خطر هيكلي
ويقول محلل أسواق النفط لدى ICIS، إن سوق النفط العالمية تمر بأزمة تعطل الإمدادات وليس زيادة في الطلب على النفط، حيث تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلى تقليص التدفقات، ما يجبر السوق على الاعتماد على المخزونات كحل مؤقت، «ومع استمرار هذا الوضع، قد تنتقل السوق من حالة تشدد دوري إلى أزمة هيكلية، يصبح فيها أمن الإمدادات هاجساً رئيسياً، وهو ما تراقبه الأسواق عن كثب في المرحلة الحالية».
الولايات المتحدة تحت ضغط الصادرات والأسعار
وتشير تحليلات وود ماكينزي إلى أن الضغوط بدأت تظهر بوضوح في السوق الفعلية، خاصة في الولايات المتحدة.
فقد سجلت صادرات النفط الأميركية مستوى قياسياً بلغ 14.2 مليون برميل يومياً، بزيادة 33% مقارنة بالعام الماضي، في استجابة مباشرة لنقص الإمدادات العالمية، ما أدى إلى سحب كميات كبيرة من السوق المحلية.
وفي الوقت نفسه، تراجعت المخزونات الأميركية بنحو 24.1 مليون برميل خلال أسبوع واحد، في واحدة من أكبر الانخفاضات المسجلة، ما انعكس سريعاً على أسعار الوقود.
وارتفع متوسط سعر البنزين إلى 4.43 دولار للغالون، بينما اقترب الديزل من مستوياته القياسية، ما أدى إلى زيادة الضغوط على المستهلكين، في وقت تعاني فيه الأسر بالفعل من ضغوط تضخمية متصاعدة.
وأظهر استطلاع أجرته غالوب أن 55% من الأميركيين يرون أن أوضاعهم المالية تتدهور، وهو أعلى مستوى خلال 25 عاماً، فيما ارتفع التضخم الأساسي إلى 3.2%، وفق المؤشرات التي يراقبها الاحتياطي الفيدرالي.
سيناريوهات قاسية في الأفق
وترى وود ماكينزي أن مسار السوق في المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بشكل مباشر بما يحدث في مضيق هرمز، «ففي حال استمرار الاضطرابات وتراجع الإمدادات بنحو 10 ملايين برميل يومياً، قد تحتاج الأسعار إلى تجاوز 200 دولار للبرميل لإعادة التوازن بين العرض والطلب، وهو سيناريو يحمل تداعيات اقتصادية واسعة».
وتضيف ماكينزي، أن التأثير لن يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل سيمتد إلى تراجع الطلب نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي، وزيادة الإحلال بين مصادر الطاقة، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود حاد، «وفي هذه الحالة، لن يكون ارتفاع الأسعار هو المشكلة الأساسية، بل الأثر التراكمي على الاستهلاك والاستثمار والاستقرار الاقتصادي».
سوق أكثر هشاشة
وتقول وود ماكينزي، إن انخفاض المخزونات لم يعد مجرد تطور دوري في دورة السوق، بل تحول إلى مؤشر على مرحلة أكثر هشاشة وتعقيداً، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع القيود اللوجستية، وتصبح قدرة السوق على امتصاص الصدمات محدودة، «ومع استمرار تآكل هذا الهامش الآمن الذي تمثله المخزونات، تدخل أسواق الطاقة مرحلة جديدة، تتسم بارتفاع التقلبات، وتسعير المخاطر، واعتماد متزايد على قرارات سياسية وجيوسياسية، بقدر اعتمادها على الأساسيات الاقتصادية التقليدية».




