مصر تحت ضغط الغاز.. صيف مشتعل يهدد فاتورة الطاقة : CNN الاقتصادية


في الوقت الذي تتصاعد فيه اضطرابات أسواق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، تواجه مصر صيفاً يوصف بأنه من أكثر المواسم حساسية منذ عودتها إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال، وسط ارتفاع الأسعار العالمية، وتعطل جزء من الإمدادات القطرية نتيجة لحرب إيران، وزيادة المنافسة الأوروبية والآسيوية على الشحنات الفورية.
بدأت مصر في العودة إلى استيراد الغاز المسال في أبريل نيسان من عام 2024 لمواجهة الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي من قِبل قطاع الكهرباء، والحد من انقطاعات الكهرباء خلال فترة الأشهر الماضية، إلّا أنه مع بداية العام الحالي بدأت الوزارة بالتوسع في عمليات استيراد شحنات الغاز المُسال مع إبرامها تعاقدات لاستئجار 4 وحدات لتغويز الغاز.
ضغوط تمويلية وتحذيرات من السوق
يقول جي بي لاكوتور، محلل قطاع الغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي في كبلر لـ«CNN الاقتصادية»، إن مصر تمكنت حتى الآن من تأمين احتياجاتها الأساسية من الغاز الطبيعي المسال للحفاظ على استقرار شبكة الكهرباء، لكن الضغوط الحقيقية قد تظهر خلال ذروة الصيف، «مع أن بعض المؤشرات بدأت تثير تساؤلات حول قدرة مصر على تحمل فاتورة الاستيراد المرتفعة، خصوصاً أن جانباً كبيراً من الواردات كان يتم عبر ترتيبات دفع مؤجلة تتراوح بين 6 و12 شهراً».
وأضاف محلل قطاع الغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي في كبلر، أن السوق شهد بالفعل تحويل 6 شحنات غاز طبيعي مسال بعيداً عن مصر، مقابل تحويل شحنتين فقط إليها، «ثلاث من هذه التحويلات حدثت خلال فترة قصيرة بين 19 و22 أبريل، ما يعكس تصاعد حساسية السوق تجاه المشترين ذوي المخاطر الائتمانية الأعلى».
توقعات بواردات قياسية في الصيف
ويقول مهرون إيتباري، كبير المحللين الرئيسيين للغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، لدى إس آند بي جلوبال إنرجي، إن أسعار الغاز المسال المرتفعة قد خفضت من توقعات الشركة لواردات مصر من الغاز الطبيعي المسال هذا الصيف بشكل طفيف، «إلا أن الحقيقة أن أسعار زيت الوقود مرتفعة أيضاً بسبب الأزمة تقلل من احتمالات تحويل المزيد من توليد الكهرباء إلى زيت الوقود بدلاً من الغاز، ونتوقع أن تسجل مصر مستويات قياسية شهرية جديدة لواردات الغاز الطبيعي المسال في يونيو ويوليو وأغسطس».
لكن في المقابل، يشير لاكوتور إلى أن استئناف تدفقات الغاز الإسرائيلي عبر الأنابيب في أوائل أبريل، إلى جانب تراجع الطلب المحلي خلال ما يعرف بـ«موسم الكتف» بين الشتاء والصيف، ربما خفف مؤقتاً من حاجة مصر لبعض الشحنات المستوردة.
وتحصل مصر حالياً على نحو 1.1 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي الإسرائيلي يومياً، على أن ترتفع إمدادات الغاز الإسرائيلي بحلول يونيو حزيران المقبل، بنحو 18% إلى نحو 1.3 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، مقابل نحو1.1 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً حالياً.
صيف أكثر تعقيداً
ويرى لاكوتور أن الاختبار الحقيقي لمصر سيبدأ خلال أشهر الصيف، مع ارتفاع الطلب على الكهرباء والتبريد، خصوصاً أن مصر طرحت مناقصة للحصول على ما بين 16 و24 شحنة من قطر للطاقة للتسليم بين يونيو وسبتمبر، وهي الفترة التي تمثل ذروة الاستهلاك المحلي، «لكن المشكلة أن قطر للطاقة تواجه حالياً صعوبات تتعلق بانخفاض القدرة التصديرية نتيجة الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان، إضافة إلى تعطل التصدير بسبب اضطرابات الملاحة في المنطقة».
ويقول محلل قطاع الغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي في كبلر، إن هذا الوضع قد يمنع الشركة من توفير كامل الكميات المطلوبة لمصر، ما قد يدفع القاهرة إلى اللجوء بشكل أكبر إلى السوق الفورية العالمية، التي يتوقع أن تكون شديدة الضيق خلال الصيف، «حيث إن المنافسة لن تكون سهلة، في ظل زيادة مشتريات أوروبا لإعادة ملء المخزونات قبل الشتاء، إلى جانب ارتفاع الطلب الآسيوي لتلبية احتياجات التبريد الصيفي، خصوصاً إذا عادت الصين إلى تكثيف وارداتها خلال الأسابيع المقبلة».
أسعار تضاعفت تقريباً
ومن الناحية السعرية، يرى لاكوتور أن الضغوط المالية على مصر مرشحة للتصاعد بقوة، “حيث إن الغاز الإسرائيلي المنقول عبر الأنابيب مرتبط بخام برنت، ما يعني أن تكلفته ارتفعت تلقائياً بنحو 25% إلى 30% مع صعود أسعار النفط، أما الغاز الطبيعي المسال، الذي غالباً ما تشتريه مصر بعلاوة فوق مؤشر TTF الأوروبي، فقد تضاعفت أسعاره تقريباً مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة”.
ويحذر محلل قطاع الغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي في كبلر، من أن الأسعار قد ترتفع أكثر، تبعاً لتطورات مضيق هرمز، ومدى قدرة قطر على استعادة طاقتها التصديرية، إضافة إلى توقيت عودة الصين بقوة إلى السوق الفورية.
ضغط على ميزان المدفوعات
ويتوقع لاكوتور ارتفاع واردات الغاز الطبيعي المسال ووقود الديزل سيؤثر على ميزان المدفوعات المصري، خاصة مع تضخم فاتورة الطاقة مقارنة بالعام الماضي، حيث تأتي هذه الضغوط في وقت تحاول فيه الحكومة المصرية الحفاظ على استقرار الكهرباء وتجنب العودة إلى الانقطاعات الدورية، التي أثارت انتقادات واسعة خلال صيف 2024.
كانت قدرت الحكومة المصرية فاتورة استيراد المواد البترولية والغاز الطبيعي المسال بنحو 19.5 مليار دولار خلال العام 2025 بنسبة نمو تصل إلى 56%، حيث إن فاتورة استيراد الغاز المسال ستُسهم في زيادة الفاتورة مقارنة بعام 2024، حيث بلغت نحو 12.5 مليار دولار، إذ إن الزيادة تتمثل في فاتورة الغاز المسال المستورد.
وبحسب لاكوتور فإن أي قيود على الاستهلاك قد تساعد نظرياً في خفض فاتورة الطاقة، لكنها في المقابل قد تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي إذا تم تطبيقها بشكل واسع.
استراتيجيات إدارة الطلب
ويقول لاكوتور إن مصر تعتمد على عدة أدوات لإدارة الطلب على الغاز والكهرباء لمواجهة هذه الضغوط، حيث استخدمت مصر استراتيجيتين رئيسيتين في السابق، متمثلة في خفض إمدادات الغاز للمستهلكين الصناعيين، وتطبيق انقطاعات كهرباء دورية، «لكن الحكومة تعتبر الانقطاعات الكهربائية الخيار الأخير سياسياً واقتصادياً، بينما يبدو خفض الإمدادات للقطاع الصناعي أكثر ترجيحاً إذا تفاقمت الضغوط خلال الصيف».
وأضاف إيتباري أن أي ارتفاعات إضافية في أسعار الغاز المسال قد تحدث إذا امتد التعطل المرتبط بالحرب إلى ما بعد الربع الثالث، قد تدفع مصر إلى الحد من الواردات، ما يزيد من مخاطر حدوث اضطرابات جديدة في قطاع الكهرباء.
وقد شهد الصيف الماضي بالفعل خفضاً للإمدادات الصناعية عندما توقفت تدفقات الغاز الإسرائيلي عبر الأنابيب، في وقت كانت مصر تعتمد فيه على وحدة تغويز عائمة واحدة فقط.
قال وزير البترول المصري، كريم بدوي، خلال اللقاء الدوري مع قيادات قطاع البترول والتعدين ورؤساء شركات القطاع، إن أولوية الوزارة خلال المرحلة الحالية هي زيادة الإنتاج المحلي من البترول الخام والغاز الطبيعي، بما يسهم في تقليل الفاتورة الاستيرادية وتأمين احتياجات صيف 2026، من خلال الإسراع بإدخال آبار جديدة على خريطة الإنتاج، وفق خطة خمسية طموحة ممتدة حتى 2029-2030 لرفع معدلات الإنتاج.
خفض توقعات الواردات
وخفضت كبلر توقعاتها لواردات مصر من الغاز الطبيعي المسال خلال 2026 إلى نحو 10.4 مليون طن، أي أقل بنحو 0.4 مليون طن مقارنة بالتقديرات السابقة لحرب إيران، حيث يعادل هذا الحجم نحو 136 شحنة تقليدية من الغاز الطبيعي المسال.
ويقول لاكوتور إن هذا الخفض يعود بشكل رئيسي إلى توقعات بصعوبة تأمين الشحنات خلال ذروة الصيف، رغم أن الواردات القوية في مارس وأبريل عوضت جزئياً جزءاً من النقص المتوقع.
ويتوقع كبير المحللين الرئيسيين للغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، لدى إس آند بي جلوبال إنرجي، أن تستورد مصر نحو 180-190 شحنة إجمالاً خلال 2026 من الغاز المسال، «وذلك بعدما أضفنا نحو 15 شحنة إلى توقعاتنا منذ بداية العام بسبب عوامل تشمل تعطل تدفقات الغاز الإسرائيلي إلى مصر في مارس، والتأخيرات المتوقعة في استكمال خط أنابيب أشدود-عسقلان».




