من يلوث البحار أكثر؟.. الشحن التجاري يتفوق على السفن السياحية : CNN الاقتصادية


غالباً ما تُصنَّف السفن السياحية على أنها واحدة من أكثر وسائل السفر تلويثاً للبيئة من حيث الانبعاثات، ورغم أن هذا التقييم يحمل قدراً من الصحة، فإنه لا يعكس الصورة الكاملة، ففي الواقع تمثل السفن السياحية جزءاً صغيراً نسبياً من إجمالي الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل البحري العالمي.
وتتصدر سفن الحاويات القائمة بإنتاج نحو 254 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، تليها سفن نقل البضائع السائبة بنحو 206.5 مليون طن، ثم ناقلات النفط بنحو 154 مليون طن، وفي المقابل تسهم السفن السياحية بنحو 36.2 مليون طن فقط، أي أقل من 4% من إجمالي انبعاثات النقل البحري.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الرحلات البحرية السياحية صديقة للبيئة أو حتى منخفضة التأثير البيئي، فإلى جانب انبعاثات الكربون، تنتج السفن السياحية كميات ضخمة من النفايات، تشمل مياه الصرف الصحي والمياه العادمة والنفايات الصلبة، ما يشكل ضغطاً كبيراً على النظم البيئية البحرية إذا لم تتم إدارة هذه المخلفات بالشكل المناسب.
كما تسهم ملوثات الهواء، مثل أكاسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة، في تدهور جودة الهواء، خصوصاً داخل المدن الساحلية والموانئ التي تستقبل هذه السفن بشكل متكرر.
تشير البيانات الرسمية إلى أن انبعاثات الشحن البحري العالمية بلغت نحو 1,056 مليون طن ثاني أكسيد الكربون عام 2018 (إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة = 1,076 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون)، نقلاً عن منظمة النقل البحرية.
أما بقية الانبعاثات فتعود إلى سفن شحن عامة وناقلات كيميائية وسفن ضيقة الحجم وفاخرة (رحلات بحرية وسفن ركاب)، التي يُمكن اعتبار مساهماتها «صغيرة نسبياً».
على الصعيد الإقليمي، تسجل آسيا أكبر حصة من انبعاثات الشحن كونها مركزاً للتجارة البحرية؛ فهي تتعامل مع نحو 63% من حركة الحاويات العالمية.
ويزيد استهلاك الوقود فيها بشكل عام، أما أوروبا والأميركتان فتلعبان دوراً ثانوياً نسبةً لحجم التجارة، بينما يُسهم مسار الخليج العربي عبر قناة السويس بقدر ملحوظ من الانبعاثات البحرية العالقة بوقود ناقلات الطاقة.
يسهم النقل البحري في البحر المتوسط وحركة الرحلات السياحية المتزايدة (مرتفعة في أوروبا وأميركا الشمالية وكميات متنامية في الشرق الأوسط والبحر الكاريبي) بمستوى انبعاثات محلي أكبر من المناطق الأقل نشاطاً.
على سبيل المثال، تسبّب النشاط البحري عامة في برشلونة بـ10.9% من الانبعاثات الكربونية المحلية، مع أن انبعاثات السفن السياحية فيها لا تتجاوز 1.3% من مجموع المدينة.
بالمقابل، يسجل ميناء ميامي أكبر عدد من الركاب (قطاع الرحلات البحرية) في العالم، ما يرفع الضغط البيئي المحيط. عموماً، تُشير الأدلة إلى ضرورة توجيه الانتباه لإقليم جنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، نظراً لتركز الرحلات البحرية والسياحية فيه وتحوّلها إلى بؤر تلوث محلية على الرغم من كون سهمها من الانبعاث العالمي محدوداً نسبياً.
السياحة البحرية تضغط على المدن التاريخية والبنية التحتية
ولا تتوقف الضغوط عند الجانب البيئي فقط، إذ تواجه المدن السياحية الساحلية تحديات متزايدة بسبب التدفقات الكبيرة والمفاجئة للركاب القادمين عبر السفن السياحية، فرغم الفوائد الاقتصادية التي تحققها هذه الرحلات، فإن وصول آلاف الزوار دفعة واحدة قد يرهق البنية التحتية ويغير الطابع التقليدي لبعض الوجهات التاريخية.
وفي العديد من الموانئ الأوروبية الشهيرة، أصبحت مجموعات السياح الكبيرة التي تتحرك ضمن جداول زمنية مزدحمة تشكل ضغطاً على الشوارع الضيقة والمساحات العامة، ما أدى إلى تصاعد الانتقادات المرتبطة بظاهرة السياحة المفرطة.
الاتجاهات التاريخية والتوقعات المستقبلية (2010-2030)
شهدت انبعاثات الشحن البحري العالمي زيادة مستمرة حتى عام 2018: فقد ارتفعت إجمالي الانبعاثات (معادل ثاني أكسيد الكربون) من 977 مليون طن عام 2012 إلى 1,076 مليون طن عام 2018 (بزيادة نحو 9.6%).
وبالنظر إلى ثاني أكسيد الكربون فقط، نمت من 962 إلى 1,056 مليون طن (زيادة 9.3%) في الفترة ذاتها، أسهمت تحسّنات الكفاءة التشغيلية مثل التباطؤ في السرعة في إبقاء النمو أقل حدة؛ إذ تحسّنت كثافة الكربون للقطاع بنسبة 21-29% بين 2008 و2018.
غيّرت جائحة كورونا مسار الانبعاثات مؤقتًا بانخفاض شديد عامي 2020-2021، إلا أن الانبعاثات عادت في 2022 للارتفاع (نحو5% زيادة على 2021) إلى مستويات مطابقة تقريباً لـ2017-2018.
تنبئ نماذج المنطقة بالحفاظ على زيادة تدريجية إن لم تُعتمد سياسات أكثر صرامة. فمنظمة النقل البحرية توقّع في دراسته الـ4 أن تبلغ الانبعاثات بين 90% و130% من مستوى 2008 بحلول 2050 حسب فرضيات النمو والخلجان الأخرى، وهو ما يعني احتمال بلوغ نحو 1.2 مرة قيمة 2008 في منتصف القرن.
يبرز سيناريو الحياد الصافي (NZE) للوكالة الدولية للطاقة كهدف طموح: إذ يُفترض فيه أن يصل حصّة الوقود منخفض/منعدم الانبعاثات بحلول 2030 إلى نحو 15% من إجمالي استهلاك الطاقة البحري، مع بقاء نصف هذه الحصة من الوقود الحيوي القابل للاستعمال في السفن الحالية.
أما المسار التقليدي دون تغيير (BAU)، فإنه يشير إلى أن أكثر من 99% من الطاقة البحرية ستستمر بالاعتماد على النفط والمشتقات التقليدية بحلول 2030.
ختاماً، يتطلب خفض انبعاثات الشحن البحري تعاوناً عالمياً وإقليمياً متسقاً، مع دعم مالي وتقني للموانئ ومشغلي السفن. كما ينبغي رصد الثغرات البحثية، مثل تقييم كامل لآثار التقنيات الناشئة وتحديد اعتماديات بيانات الانبعاثات في الطرق البحرية بعيدة المدى، من خلال هذه الخريطة المتكاملة للسياسات والتقنيات، يمكن تحقيق أمن الطاقة البحرية وبيئة أكثر نظافة دون المساس بحيوية التجارة والسياحة العالمية.




