الطلب الصيني الغائب.. هل يؤجل أزمة جديدة في سوق النفط؟ : CNN الاقتصادية


في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في أسواق الطاقة العالمية، يظهر تناقض واضح بين ما تظهره أسعار النفط وما يحدث فعلياً في الطلب العالمي على الطاقة، حيث تبدو السوق وكأنها استقرت، بينما هي في الواقع تستند إلى غياب أكبر مستورد للنفط الخام في العالم وهو الصين.
ومع بدء إشارات أولية لعودة بكين التدريجية إلى السوق الفعلية، تتصاعد المخاوف من أن التوازن الحالي ليس سوى مرحلة مؤقتة قبل موجة إعادة تسعير واسعة، ليجمع عددٌ من محللي الطاقة على أن عودة الطلب الصيني للنفط من الأسواق العالمية سيضيف أعباءً لأسعار النفط.
وعملت الصين خلال الأشهر الماضية على استهلاك مخزوناتها من النفط تجنباً للتعرض للتقلبات في أسعار النفط العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، حيث كانت تستورد الصين نحو 55% من النفط الخام و30% من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز.
يقول ديفيد جوربناز، رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS، إن ما يحدث في السوق لا يمكن تفسيره عبر جانب العرض وحده، بل من خلال انسحاب صامت لكنه بالغ التأثير في جانب الطلب، حيث لعبت الصين خلال الأشهر الماضية دوراً حاسماً في امتصاص صدمة الحرب الأميركية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، عبر خفض وارداتها من النفط الخام بنحو 3.5 مليون برميل يومياً بين فبراير وأبريل، والاعتماد على سحب المخزونات بدلاً من التنافس في السوق الفورية.
وأضاف جوربناز أن الخطوة الصينية بالاعتماد على مخزوناتها النفطية كانت العامل الرئيسي في منع الأسعار من الاستقرار فوق 150 دولاراً للبرميل رغم فقدان إمدادات هيكلية من الشرق الأوسط، لتتحول بكين إلى ممتص صدمات عالمي، لكن هذا الدور بطبيعته مؤقت وغير قابل للاستمرار.
السوق العالمية بين توازن ظاهري وضغط كامن
وتقول شركة تحليلات الطاقة «كبلر» إن سوق النفط العالمي يتحرك داخل نطاق يبدو مستقراً نسبياً، لكن هذا الاستقرار يخفي اختلالاً في بنية الطلب، حيث تعوض المخزونات والسحب الطارئ من الإمدادات غياب المشتري الصيني عن السوق، حيث إن التوازن الحالي يعتمد على أربعة عوامل رئيسية، تتضمن السحب المكثّف من المخزونات العالمية، وإعادة توجيه التدفقات بعيداً عن مناطق الاختناق، وزيادة الصادرات من مناطق خارج الشرق الأوسط، وتراجع معدلات تشغيل المصافي في آسيا وعلى رأسها الصين.
وتقدر وود ماكنزي أن توفر الاحتياطيات غير الحكومية هامش أمان للبلاد لمدة 180 يوماً، ما يسمح للاقتصاد المحلي في الصين بالعمل دون تقنين فوري في حال تحويل مسار الشحنات القادمة من الخليج العربي أو توقفها.
الصين خارج السوق.. لكن ليس خارج المعادلة
تشير بيانات كبلر إلى أن واردات الصين المنقولة بحراً من النفط الخام تراجعت إلى نحو 6.78 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ ما يقارب عقد، مقارنة بمتوسط تجاوز 10 ملايين برميل يومياً خلال العام الماضي. وعلى الرغم من هذا التراجع الحاد في الواردات، فإن استهلاك المصافي الصينية لم ينخفض بالوتيرة نفسها، ما دفع إلى سحب متسارع من المخزونات البرية التي تراجعت من ذروة بلغت نحو 1.25 مليار برميل، حيث إن هذا الاختلال بين الواردات والاستهلاك خلق وضعاً غير مستدام، حيث تعتمد الصين على المخزون بدل الاستيراد، وهو ما يحدّ من قدرتها على الاستمرار في امتصاص الصدمات السعرية فترة طويلة.
اقتصاديات التكرير تعمّق التراجع
وتقول كبلر إن مصافي تكرير النفط الصينية تعاني ضغوطاً متزايدة نتيجة ضعف هوامش التكرير وارتفاع تكلفة الخام، في وقتٍ لا يزال الطلب المحلي على الوقود دون مستويات التعافي الكامل، حيث إن هوامش التكرير لدى بعض المصافي الحكومية تحسنت من مستويات سالبة حادة إلى نحو سالب 2 دولار للبرميل، لكنها لا تزال غير كافية لتحفيز دورة شراء قوية أو رفع معدلات التشغيل بشكلٍ واسع.
وأضافت كبلر أن الصين لجأت مؤخراً إلى شراء انتقائي لبعض الشحنات عندما انخفضت العلاوات السعرية، مثل شراء كميات من خام غرب إفريقيا وأميركا اللاتينية، لكنها خطوات تُوصف بأنها انتهازية أكثر منها تحولاً استراتيجياً في الطلب.
السوق تحت ضغط إعادة التموضع
وتسببت الحرب الأميركية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز في تغير خريطة التدفقات العالمية للنفط بشكلٍ متسارع، مع استمرار القيود على بعض الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، وتزايد اعتماد الصين على مصادر بديلة مثل الخام الروسي، رغم القيود والعقوبات التي تحد من مرونة الإمدادات، حيث هذا التحول لم يكن كافياً لتعويض الفجوة بالكامل، ما دفع بعض المصافي الصينية إلى تقليص المشتريات الفورية والاعتماد على المخزون، في وقتٍ تشير فيه التقديرات إلى أن المخزونات التجارية من المنتجات المكررة بدأت بالاستقرار بعد فترة من التراكم المستمر.
لحظة التحول المحتملة.. متى تعود الصين؟
يقول رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS إن اللحظة الحاسمة في سوق النفط لن تكون مرتبطة بصدمة جديدة في الإمدادات، بل بعودة الطلب الصيني إلى مساره الطبيعي، حيث قد يدخل السوق مرحلة إعادة تسعير حادة عندما تبدأ الصين بالتحول من سحب المخزونات إلى إعادة بنائها، خصوصاً إذا اقتربت المخزونات من حدود تشغيلية حرجة.
ويضيف أن هذا التحول قد يحدث خلال النصف الثاني من 2026، عندما تصبح تكلفة الاعتماد على المخزون أعلى من تكلفة العودة إلى السوق الفورية، فالمحفز الأساسي هو اقتراب السحوبات من الحدود التشغيلية، إذ بدأت المخزونات البرية من الخام بالفعل بالتراجع من ذروة بلغت نحو 1.25 مليار برميل في أوائل مايو، وفي هذا السيناريو، قد يتحول الطلب الصيني من عامل كبح للأسعار إلى عامل تسريع لارتفاعها، خاصة إذا تزامن مع موسم طلب قوي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
سيناريو مضيق هرمز.. الشرارة المحتملة
وترى شركة تحليلات الطاقة أن العامل الجيوسياسي الأكثر حساسية هو وضع مضيق هرمز، حيث إن أي إعادة فتح مؤكدة ومستقرة قد تمثل الإشارة التي تدفع الصين للعودة التدريجية إلى السوق، ففي حال تحسن تدفقات الإمدادات، قد تبدأ بكين إعادة بناء المخزونات بسرعة، ما يعني دخول طلب إضافي كبير إلى السوق في وقتٍ واحد، وهو ما قد يعكس الاتجاه السعري بدل تخفيفه.




