3 سيناريوهات لسوق الغاز المُسال لما بعد أزمة هرمز : CNN الاقتصادية


تمر تجارة الغاز الطبيعي المُسال بأكبر أزمة في تاريخها مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
فلم يؤدِ إغلاق المضيق إلى تعطيل تدفقات الطاقة فحسب، بل أعاد رسم خريطة المخاطر التي تحكم السوق العالمية بأكملها.
فمع خروج أكثر من 80 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المُسال من الأسواق العالمية، وهو ما يعادل نحو 20% من الإمدادات العالمية، لترى شركة وود ماكنزي أن الصراع حول مضيق هرمز لا يمثل مجرد أزمة مؤقتة في الإمدادات، بل نقطة تحول قد تعيد تشكيل قرارات الاستثمار وأنماط الطلب ومسارات الأسعار العالمية حتى عام 2045.
وتقول كاترينا فيليبينكو، مديرة أبحاث أسواق الغاز العالمية في وود ماكنزي، إن إغلاق مضيق هرمز لم يسحب الغاز الطبيعي المسال من السوق فحسب، بل سحب معه اليقين أيضا.
وأضافت أن الأسواق فقدت التوافق التقليدي حول اتجاهها المستقبلي، وأصبح التقلب هو الوضع الطبيعي الجديد، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي أمام المشترين والمستثمرين وصُنّاع السياسات لم يعد يتمثل في توقع السيناريو الذي سيتحقق، بل في امتلاك المرونة الكافية للتعامل مع أي من السيناريوهات المحتملة.
3 سيناريوهات لمستقبل السوق
وبنت وود ماكنزي رؤيتها المستقبلية على ثلاثة سيناريوهات رئيسية تختلف وفق توقيت انتهاء حرب إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، وما يترتب على ذلك من آثار على الإمدادات والأسعار والاستثمارات العالمية.
ويتمثل السيناريو الأول في «السلام السريع»، حيث تستأنف منشآت الغاز الطبيعي المسال الخليجية غير المتضررة عملياتها خلال يونيو 2026، على أن تعود إلى كامل طاقتها الإنتاجية بحلول عام 2027.
أمّا السيناريو الثاني، «تسوية الصيف»، فيفترض تأخر استئناف العمليات حتى سبتمبر 2026، مع عودة الطاقة الإنتاجية الكاملة بحلول عام 2028.
في المقابل، يمثل سيناريو «الاضطراب الممتد» الاحتمال الأكثر تشاؤماً، إذ يفترض استمرار موجات متقطعة من التصعيد واحتمال تعرض البنية التحتية لمزيد من الأضرار، ما يمنع إمدادات الغاز الطبيعي المُسال الخليجية من العودة إلى مسار النمو الذي كان متوقعاً قبل الحرب.
وفي هذا السيناريو، يتعرض مشروع «نورث فيلد ويست» القطري لتأجيل مفتوح، بينما تواجه المشروعات الكبرى الأخرى تأخيرات تمتد سنوات، مع توقف الاستثمارات الجديدة التي لم تصل بعد إلى قرار الاستثمار النهائي.
إعادة النظر في الاعتماد على الغاز المسال
ورغم حجم الصدمة التي تعرضت لها المنطقة، تشير وود ماكنزي إلى أن نمو الإمدادات العالمية لن يتوقف بالكامل، فأكثر من 150 مليون طن سنوياً من طاقات إنتاج الغاز الطبيعي المُسال الجديدة لا تزال قيد الإنشاء خارج الخليج العربي، ويتركز الجزء الأكبر منها في الولايات المتحدة، إضافة إلى ما لا يقل عن 30 مليون طن سنوياً أخرى يُتوقع أن تصل إلى قرارات استثمار نهائية بحلول نهاية عام 2027.
لكن هذا التحول لا يخلو من المخاطر، إذ إن ارتفاع الأسعار فترات طويلة قد يدفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في اعتمادها على الغاز الطبيعي المُسال، ما قد ينعكس سلباً على نمو الطلب في الأجل الطويل.
الطلب يواصل النمو رغم الأزمة
وعلى الرغم من الاضطرابات الحالية، تتوقع وود ماكنزي استمرار نمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المُسال في السيناريوهات المطروحة كافة.
ويأتي هذا النمو مدفوعاً بتراجع الإنتاج المحلي وانخفاض إمدادات الغاز المنقولة عبر خطوط الأنابيب، خصوصاً في أوروبا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا.
لكن وود ماكنزي تشير في الوقت ذاته إلى أن الدول الأكثر اعتماداً على الواردات قد تسعى إلى تسريع خطط التنويع وتقليص اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال، سواء عبر الطاقة المتجددة أو المصادر المحلية أو البنية التحتية البديلة. ولهذا السبب، يبقى نطاق الطلب المستقبلي واسعاً للغاية، إذ تختلف قدرات الدول وسرعة استجابتها للمتغيرات الجديدة في أسواق الطاقة العالمية.
وترجّح وود ماكينزي أن تظهر التحولات الهيكلية الأكثر وضوحاً في أوروبا وشمال شرق آسيا بعد عام 2030، مع استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات.
من الشح إلى فائض المعروض
وتوضح وود ماكنزي أن مستقبل الأسعار سيعتمد بدرجة كبيرة على توقيت عودة الإمدادات الخليجية.
ففي سيناريو السلام السريع، تبدأ الأسواق تدريجياً بالعودة إلى فائض المعروض بدءاً من عام 2028، مع تحذيرات من احتمال الحاجة إلى إلغاء بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال الأميركية لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، خصوصاً خلال الفترة بين عامي 2031 و2033.
أما في سيناريو تسوية الصيف، فيتأخر ظهور فائض المعروض عاماً إضافياً تقريباً، وقد تمتد الحاجة إلى إلغاء الشحنات حتى عام 2034.
وفي المقابل، يبقى سيناريو الاضطراب الممتد الأسواق تحت ضغط مستمر، مع استمرار شح المعروض حتى نهاية العقد الحالي تقريباً، قبل أن تبدأ مخاطر فائض الإمدادات بالظهور لاحقاً نتيجة التوسع الكبير في المشروعات الجديدة حول العالم.
وتحذّر الشركة من أن أي تهديدات إضافية لإمدادات الشرق الأوسط خلال هذه الفترة قد تعيد السوق سريعاً إلى حالة من الشح الحاد وارتفاع الأسعار.
نقطة تحول تاريخية للسوق
ترى وود ماكنزي إلى أن الأزمة الحالية تتجاوز كونها مجرد اضطراب مؤقت في الإمدادات، إذ تمثّل اختباراً حقيقياً لقدرة سوق الغاز الطبيعي المُسال على التكيف مع عالم أكثر تقلباً وأقل يقينا، فبينما تتركز الأنظار حالياً على أكثر من 80 مليون طن سنوياً خرجت من السوق العالمية، فإن التأثير الأعمق قد يتمثل في إعادة تشكيل قرارات الاستثمار وتوجهات الطلب العالمي لعقود مقبلة.




