شؤون عربية ودولية

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟ : CNN الاقتصادية


في عصر الاقتصاد الرقمي، لم يعد صعود النجومية حكراً على البشر، هذا الشهر، تحوّل قرد ياباني صغير إلى بطل غير متوقّع على منصات التواصل، وجذب آلاف الزوار إلى حديقة حيوانات محلية، وأعاد التذكير بقوة «اقتصاد التعاطف» الذي يتشكل حول الحيوانات منذ أكثر من عقدين.

بدأت القصة في اليابان، لكنها في الحقيقة فصل جديد من حكاية أطول بكثير.

بانش.. نجم 2026 الذي أعاد تعريف الشهرة

وُلد القرد الياباني «بانش» في يوليو تموز 2025 داخل حديقة حيوان إيتشيكاوا سيتي قرب طوكيو. بعد أن تخلّت عنه والدته، تولّى القائمون على الحديقة تربيته يدوياً، ومنحوه دمية أورانغوتان قماشية ليشعر بالأمان.

حين بدأت مقاطع الفيديو التي تُظهره وهو يحمل لعبته وينتقل بها داخل القفص تنتشر مطلع 2026 على تيك توك ومنصة إكس، لم يكن الأمر مجرد محتوى لطيف.

تكاثرت الوسوم الداعمة، والتغطية الإعلامية الدولية توسعت، وعدد الزوار ارتفع خلال ذروة الاهتمام الرقمي، فيما تحوّلت اللعبة نفسها إلى سلعة مطلوبة على نطاق واسع.

بعكس موجات سابقة اعتمدت على الطرافة أو الصدمة، ارتكزت شعبية بانش على الهشاشة والرعاية. الجمهور لا يتابع لقطة واحدة، بل يتابع تطوّره اليومي، من كيف ينام، متى يندمج مع بقية القردة، وهل سيستغني عن لعبته قريباً، إنها علاقة طويلة الأمد، أقرب إلى مسلسل واقعي يُبث في الزمن الحقيقي.

من كاميرات الباندا إلى اقتصاد الزيارات

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

شارك أكثر من 200 مليون شخص في عملية تسمية الباندا العملاقة تاي شان. (ملكية عامة)

الظاهرة ليست جديدة، في 2005، وُلد الباندا العملاق «تاي شان» في حديقة الحيوانات الوطنية سميثسونيان بواشنطن. تزامن ذلك مع انتشار الكاميرات الحية عبر الإنترنت.

تابع ملايين «كاميرا الباندا»، وأكثر من 200 ألف شخص شاركوا في مسابقة تسميته، فيما ساهم الاهتمام به في تسجيل أرقام قياسية للزوار قبيل عودته إلى الصين عام 2010.

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

احتفل كنوت بعيد ميلاده الثاني في حديقة حيوان برلين عام 2008. الصورة: ديفيد كروسلاند

بعدها بعام، خطف الدب القطبي «كنوت» الأنظار في حديقة حيوان برلين، وُلد في ديسمبر كانون الأول 2006 ورُفض من أمه، فتمت تربيته يدوياً.

تحوّل إلى ظاهرة إعلامية عُرفت باسم «كنوت مانيا»، وقدّرت الحديقة أنه أضاف ملايين اليوروهات إلى إيراداتها خلال 2007 وحده، قبل أن يتوفى في 2011 نتيجة التهاب في الدماغ.

منذ ذلك الحين، أصبح الرابط واضحاً، وهي المشاهدة الرقمية تتحول إلى حركة أقدام عند بوابات الحدائق، ومن ثم إلى إيرادات.

عصر يوتيوب والميمز.. عندما يصبح الحيوان علامة تجارية

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

حصدت القطة مارو قاعدة جماهيرية ضخمة على يوتيوب. الصورة: إنستغرام

في 2008، بدأ مالك القط «مارو» تحميل مقاطع له على يوتيوب. القط من فصيلة سكوتش فولد، اشتهر بعشقه للصناديق الكرتونية. حصدت قناته مئات الملايين من المشاهدات، وفي 2016 سجّلته غينيس للأرقام القياسية كأكثر الحيوانات مشاهدة على يوتيوب آنذاك.

استمرت رحلته أكثر من 15 عاماً، حتى وفاته في 2025، فيما حافظ على قاعدة جماهيرية تتابع تفاصيل يومه.

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

كان هذا الحيوان الأليف نجم فيلم تلفزيوني بعنوان “أسوأ عيد ميلاد للقطة العبوسة على الإطلاق” عام 2014. (وكالة أسوشيتد برس)

في 2012، ظهرت «غرامبي كات»، واسمها الحقيقي تاردار سوس، بعد صورة نُشرت على ريدت. ملامحها العابسة تحولت إلى أحد أشهر «الميمز» في العقد الماضي.

توسعت شعبيتها إلى فعاليات عامة، ومنتجات تجارية، بل وفيلم تلفزيوني بعنوان غرامبي كات وريست كريسماس Grumpy Cat’s Worst Christmas Ever، قبل وفاتها في 2019.

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

شعار دوجكوين مستوحى من كابوسو (وكالة أسوشيتد برس)

وفي 2013، أصبحت صورة كلب شيبا إينو يُدعى «كابوسو» أساس ميم «دوج»، الذي ألهم لاحقاً إطلاق عملة دوجكوين الرقمية. تجاوز نفوذ كابوسو الإنترنت؛ أُقيم لها تمثال برونزي في ساكورا باليابان عام 2022، وعند وفاتها في 2024 نشرت وسائل إعلام دولية نعياً لها.

هنا لم تعد الحيوانات مجرد محتوى، بل تحولت إلى أصول رقمية تُلهم منتجات واستثمارات.

الجدل أيضاً يصنع الخلود الرقمي

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

تمثال مؤقت لهارامبي أمام تمثال الثور الهائج في وول ستريت عام 2021، يرمز إلى التفاوت في الثروة. رويترز

في 2016، أثار مقتل الغوريلا «هارامبي» داخل حديقة حيوان سينسيناتي بعد سقوط طفل في القفص موجة غضب عالمية، عرائض إلكترونية جمعت مئات الآلاف من التوقيعات، وبقي اسمه حاضراً في الخطاب الرقمي لسنوات.

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

تم بثّ حمل الزرافة أبريل ملايين المرات حول العالم. (ملكية عامة)

وفي 2017، تابع أكثر من 30 مليون شخص بث حمل الزرافة «أبريل» في منتزه أنيمال أدفنتشر، بينما شاهد أكثر من مليون عملية الولادة مباشرة، تحولت اللحظة إلى عدّ تنازلي عالمي عابر للمناطق الزمنية، قبل أن تُعدم رحمةً في 2021 بسبب التهاب مفاصل حاد.

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

فريا تستريح على متن قارب في فروغنركيلين، النرويج، عام 2022. (أ ف ب)

حتى القرارات المثيرة للجدل تولّد أثراً اقتصادياً وإعلامياً، في 2022، جذبت الفظّة «فريا» حشوداً في أوسلو بعد انتشار فيديوهات لها، قبل أن تقرر السلطات النرويجية إعدامها لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، ما أثار انتقادات دولية ونقاشاً رقمياً واسعاً.

من غرامبي كات إلى بانش.. كيف تصنع الحيوانات نجوميتها الرقمية وتحرّك الاقتصاد؟

جدارية مُهداة إلى فلاكو، البومة النسرية الأوراسية التي نفقت بعد أكثر من عام بقليل من هروبها من حظيرة حديقة حيوان سنترال بارك التي تعرضت للتخريب عام 2024. رويترز

وفي 2023، هرب البوم «فلاكو» من حديقة حيوان سنترال بارك وبقي طليقاً في مانهاتن أكثر من عام. تحوّل إلى أيقونة حضرية، قبل أن ينفق في 2024 بعد اصطدامه بمبنى، تاركاً وراءه جداريات ورسائل تذكارية.

اقتصاد التعاطف.. من قطة شاردة إلى فرس نهر قزم

حتى الحيوانات غير المرتبطة بحدائق رسمية دخلت المعادلة، قط شارد في جزيرة كريت لُقّب بـ“تشونكوس ماكسيموس” حصل على موقع خاص به في خرائط غوغل، وتراكمت مئات المراجعات كأنه معلم سياحي.

وفي 2024، وُلد فرس النهر القزم «موو دينغ» في حديقة حيوان خاو خيو المفتوحة، مقاطع قصيرة له على تيك توك وإنستغرام حصدت ملايين المشاهدات، ودفع الاهتمام الجماهيري آلاف الزوار للاحتفال بعيد ميلاده الأول في 2025.

منذ حقبة الإنترنت عريض النطاق وحتى اليوم، تتكرر المعادلة، هي قصة مؤثرة، بث مباشر أو فيديو قصير، تفاعل جماهيري، ثم أثر اقتصادي ملموس، ما تغيّر هو طبيعة الرابط، في حالة بانش، لا يبحث الجمهور عن لقطة طريفة فحسب، بل يتابع رحلة نمو كاملة.

هذه ليست مجرد ظاهرة ثقافية، بل نموذجاً مصغّراً لكيفية تحوّل الانتباه الرقمي إلى قيمة اقتصادية. وفي عالم تتنافس فيه المنصات على الثواني، يبدو أن حيواناً صغيراً يحمل لعبة قماشية قد يكون أقدر من حملات تسويق ضخمة على خطف الاهتمام وتحويله إلى أرقام على أرض الواقع.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى