تكنلوجياشؤون عربية ودولية

أزمة مضيق هرمز تشعل طفرة في سوق التحوط ضد تقلبات النفط : CNN الاقتصادية



أعادت التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع مع إيران وإغلاق مضيق هرمز تشكيل آليات تسعير النفط واستراتيجيات التحوط ضد تقلبات أسعار النفط على مستوى العالم، وسط قفزات حادة في الأسعار، وارتفاع غير مسبوق في المخاطر، وتغير جذري في سلوك الشركات والدول، ما دفع العديد من خبراء الطاقة وعقود التحوط إلى الإجماع على أن أزمة الطاقة الحالية ستعيد تشكيل طريقة إدارة المخاطر والتحوط ضد تقلبات أسعار النفط.

ويعد التحوّط في قطاع الطاقة استراتيجية مالية تُمكّن الشركات من تثبيت تكاليف الطاقة باستخدام أدوات مثل العقود الآجلة، والمقايضات، والخيارات، وهو بمثابة تأمين يضمن استقرار تكاليف التشغيل رغم تقلبات أسعار السوق.

وتقوم عملية التحوط في قطاع الطاقة على إبرام عقد لضمان سعر محدد لسلعة معينة، مثل النفط أو الغاز الطبيعي أو الكهرباء، حيث تحمي تلك العقود الشركات والدول من الآثار المحتملة لتقلبات الأسعار.

التحوط هو آلية حماية وليست ضماناً للربح

يقول حسين عصام، محلل الطاقة، إن عقود التحوط في النفط هي أدوات مالية تهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بتقلب الأسعار، عبر تثبيت سعر الشراء أو البيع مسبقاً.

وأضاف عصام أن فكرة عقود التحوط تقوم على أساس إذا ارتفع السعر في السوق الفورية لاحقاً، تكون الشركة محمية لأنها اشترت مسبقاً بسعر أقل، أما إذا انخفض السعر فقد تتحمل تكلفة أعلى من السوق، وهو ما يعكس طبيعة التحوط كأداة لإدارة المخاطر وليس لتحقيق الأرباح.

يقول جورج باناغوليس، رئيس إدارة مخاطر الأسعار والتحوط في شركة Island Oil Ltd، إن ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه «أكبر اضطراب في الإمدادات بتاريخ سوق النفط العالمي» لم يكن مجرد صدمة سعرية، بل تحول هيكلي في طريقة إدارة المخاطر داخل أسواق الطاقة.

وأوضح باناغوليس أن أسعار خام برنت قفزت من نطاق 60 إلى 65 دولاراً للبرميل في بداية العام إلى ذروة بلغت 126 دولاراً في أبريل، بينما سجل خام برنت المؤرخ مستويات أعلى في بعض الجلسات، في وقت ارتفعت فيه تقلبات السوق إلى مستويات حادة وغير مسبوقة، وتحول منحنى العقود الآجلة إلى حالة تراجع حاد، ما يعكس شحاً فورياً في الإمدادات وارتفاع الطلب على التسليم العاجل، «لتنعكس تلك التذبذبات بشكل مباشر على أسواق التحوط، حيث ارتفعت متطلبات الهامش الأولي وهامش التغيرات اليومية بشكل كبير، ما وضع ضغوطاً على السيولة لدى الشركات، خصوصاً تلك ذات التعرض الكبير للنفط الخام أو المنتجات المكررة».

وأضاف رئيس إدارة مخاطر الأسعار والتحوط في شركة Island Oil Ltd أن عمليات التحوط أصبحت أكثر تكلفة وتعقيداً، نتيجة اتساع الفجوة بين أسعار البيع والشراء مع تراجع السيولة في بعض العقود، وهو ما جعل أي خطأ في التسعير أكثر كلفة وتأثيراً على الأرباح، «فلم يعد التحوط مجرد أداة لحماية الأسعار، بل أصبح عنصراً أساسياً في استقرار التدفقات النقدية وإدارة بقاء الشركات في السوق خلال فترات الصدمات الجيوسياسية».

من جانبه قال إدوارد مويا، محلل استراتيجيات الأسواق في AlphaSense، إن حرب إيران وتحول مضيق هرمز إلى نقطة اختناق استراتيجية أعادا تعريف مفهوم التحوط نفسه، إذ أصبح أكثر تكلفة وإلحاحاً وتعقيداً في الوقت ذاته، «حيث إن الشركات لم تعد تستخدم التحوط فقط لتثبيت الأسعار، بل لضمان استمرارية الوصول إلى الإمدادات والحفاظ على التدفقات النقدية في بيئة تتغير فيها الأسعار بشكل حاد وسريع».

أي الدول تستفيد من موجة الاضطراب؟

يرى باناغوليس أن المستفيد الرئيسي من هذا الوضع هي الدول المنتجة خارج نطاق الاضطراب الجغرافي المباشر لمضيق هرمز، التي استطاعت الاستفادة من ارتفاع الأسعار دون تحمل مخاطر توقف الإمدادات أو تعطّل البنية التحتية، «وتشمل هذه الدول الولايات المتحدة، والبرازيل، وغيانا، وكندا، والنرويج، حيث عززت مستويات الإنتاج والتصدير من مكاسبها التجارية».

ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تقلص العجز التجاري الأميركي في أبريل مع وصول صادرات النفط والمنتجات البترولية إلى مستوى قياسي تجاوز 6.4 مليون برميل يومياً، ما يعكس استفادة واضحة من بيئة الأسعار المرتفعة.

ويقول مويا إن المستفيد من هذه البيئة هي الدول ذات الإنتاج المحلي الكبير أو القدرة التصديرية العالية، مثل الولايات المتحدة وكندا والنرويج والبرازيل وكولومبيا، بينما تواجه الدول المستوردة الصافية ضغوطاً متزايدة، خصوصاً في آسيا وأجزاء من أوروبا.

وأشار إلى أن الاتجاه المستقبلي سيبقى نحو «تحوط أكثر ذكاء»، يعتمد على أدوات مرنة قصيرة الأجل وهياكل خيارات معقدة، بدل المراكز الثابتة التي قد تتحول إلى عبء في فترات التقلب.

أما على مستوى البنوك الاستثمارية، فيتوقع مويا استمرار رفع متطلبات الهامش، وتوسيع استخدام العقود المركبة، وإعادة تصميم بنود القوة القاهرة، بما يعكس المخاطر الجيوسياسية المرتفعة.

الدول الأكثر تضرراً من صدمات التحوط

ويرى باناغوليس أنه على الجانب الآخر كانت دول المصدرة للنفط من أكثر المناطق تأثراً بشكل مباشر، نتيجة تراجع تدفقات التصدير عبر الممرات الحيوية، وتزايد مخاطر الشحن، واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتصعيد العسكري في المنطقة.

ويرى مويا أن الدول الأكثر تعرضاً للضغوط وهي الدول المستوردة الصافية للطاقة، خاصة في آسيا وأجزاء من أوروبا، «كما تواجه الهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند والفلبين وإندونيسيا وألمانيا وتركيا ومصر فواتير استيراد أعلى، وضغوطاً على العملات المحلية، وضعفاً في موازين الحساب الجاري، وفي بعض الحالات أعباء أكبر على برامج الدعم الحكومي».

ويرى عصام أن الدول والشركات الأكثر تضررا عادة هي تلك التي لم تكن مغطاة بعقود تحوط كافية قبل ارتفاع الأسعار، إلى جانب المستوردين الصافين الذين يواجهون أسعاراً متقلبة دون حماية مسبقة، إضافة إلى بعض المصافي وشركات الطيران التي ترتفع تكاليفها التشغيلية بسرعة أكبر من قدرتها على تمرير الأسعار إلى المستهلك النهائي.

التحوط يتحول من أداة مالية إلى ضرورة استراتيجية

يشير باناغوليس إلى أن الاتجاه العالمي كان يتجه أصلاً نحو زيادة الاعتماد على أدوات التحوط، لكن الصراع الحالي سرّع هذا التحول بشكل كبير، في ظل ما يُعرف ببيئة «VUCA» (التقلب، عدم اليقين، التعقيد، الغموض)، أو النموذج البديل “BANI” الذي يصف الأسواق بأنها هشة وقلقة وغير خطية وغير مفهومة.

ويضيف أن التحوط في هذا السياق لم يعد خياراً إدارياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية الشركات من انهيارات مفاجئة في الهوامش أو التدفقات النقدية، خصوصاً مع ارتفاع سرعة انتقال الصدمات بين أسواق النفط والغاز والشحن والعملات.

تغيرات في استراتيجيات التحوط

من المتوقع، بحسب باناغوليس، أن تشهد استراتيجيات التحوط تحولاً نوعياً وليس كمياً فقط، حيث ستتجه الشركات إلى نماذج أكثر ديناميكية ومرونة، تعتمد على تعديل المراكز بشكل مستمر بدل تثبيتها لفترات طويلة، «كما ستولي الشركات اهتماماً أكبر بمخاطر الأطراف المقابلة في عقود OTC، في ظل تصاعد عدم اليقين في النظام المالي العالمي المرتبط بالطاقة».

ويتوقع مويا أن يظل الطلب على عقود التحوط مرتفعاً حتى بعد انحسار الأزمة الحالية، «ومن المرجح أن تتعامل الشركات مع المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالنفط باعتبارها تكلفة متكررة لممارسة الأعمال، خاصة إذا احتفظ السوق بعلاوة مخاطر متبقية مرتبطة باختناقات الإمدادات وتعطل الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب، لكن في الوقت نفسه قد تفضل الشركات عقود تحوط أقصر أجلاً، وهياكل تعتمد بدرجة أكبر على عقود الخيارات، واحتياطيات سيولة أكبر، وعقود إمداد أكثر تنوعاً، حتى لا تجد نفسها مقيدة بمراكز جامدة خلال فترات التحركات السعرية الحادة».



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى