روسيا تعلن اعتراض أكثر من 50 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو

روبيو يجتمع مع رأس الكنيسة الكاثوليكية في مهمة شائكة لترميم العلاقات مع الفاتيكان وإيطاليا
يبدو أنه ما كان منذ شهر حدثاً استثنائياً وخروجاً عن الأعراف الدبلوماسية الراسخة، عندما شنّ رئيس الولايات المتحدة هجوماً لاذعاً على رأس الكنيسة الكاثوليكية، وردّ عليه البابا مباشرة، لم يعد اليوم كذلك؛ فقد عاد دونالد ترمب، مطلع هذا الأسبوع، ليوجّه سهام انتقاداته إلى البابا ليو الرابع عشر، عندما قال في حديث إذاعي مع إحدى المحطات المسيحية إن «البابا يضع كثيراً من الكاثوليكيين وغيرهم في دائرة الخطر، ويؤيد استحواذ إيران على الأسلحة النووية».

ووصل وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وهو كاثوليكي متديّن، الخميس، إلى مقر الكرسي الرسولي، حيث عقد لقاءً خاصاً مغلقاً مع البابا ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو. في حين أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنه جرت مناقشة «جهود تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط»، في إطار محادثات الوزير روبيو في الفاتيكان، حيث التقى بالبابا ليو في اجتماع كان من المتوقَّع أن يشوبه التوتر، بسبب الانتقادات المستمرة من الرئيس دونالد ترمب لرئيس الكنيسة الكاثوليكية بشأن الحرب على إيران.
وقضى روبيو ساعتين ونصف الساعة في الفاتيكان، قبل أن يغادر في موكب شديد الحراسة، والتقى في البداية بالبابا ليو، ثم اجتمع مع كبار مسؤولي الفاتيكان، بمن فيهم كبير الدبلوماسيين بالفاتيكان، وهو الكاردينال الإيطالي بيترو بارولين، الذي دافع بقوة عن البابا، عشية الزيارة، وانتقد هجمات ترمب، بعبارات دبلوماسية هادئة.

ولم يفصح الفاتيكان، أو وزارة الخارجية الأميركية، عن أي تفاصيل بشأن هذه اللقاءات حتى الآن.
استغرق اجتماع روبيو مع البابا ليو، وهو الأول الذي يجمع بين البابا ومسؤول في إدارة ترمب منذ نحو عام، وقتاً أطول مما كان مخطَّطاً له على ما يبدو. ووصل البابا متأخراً أربعين دقيقة عن موعد لاحق مع موظفي الفاتيكان، وشكرهم على صبرهم. وأظهرت صور الفاتيكان للاجتماع مصافحة ليو وروبيو قبل جلوسهما معاً بالمكتب الرسمي للبابا.
وبعد ساعات فقط من تصريحات ترمب، ووصول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى روما في مهمة شائكة لترميم العلاقات بين واشنطن والفاتيكان وإصلاح ذات البين مع رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، ردّ البابا برويّته المعتادة قائلاً، أمام مجموعة من الصحافيين: «إن رسالة الكنيسة هي التكريز بالإنجيل والتبشير بالسلام، ومَن أراد أن ينتقدني فليفعل ذلك بقول الحقيقة. منذ سنوات والكنيسة تقف ضد جميع الأسلحة النووية، وبالتالي ليس من شك في موقفها من هدا الموضوع».
وقبل توجهه إلى الفاتيكان، سعى روبيو، إلى تخفيف حدّة ما بدت أنها انتقادات لاذعة من ترمب تجاه البابا، على خلفية الحرب في الشرق الأوسط وقضايا الهجرة. وقال، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض: «إنها رحلة سبق أن خطَّطنا لها، لكن من الواضح أن بعض الأمور قد طرأت».
وأضاف: «ثمة ملفات كثيرة علينا مناقشتها مع الفاتيكان»، مشيراً خصوصاً إلى حرية ممارسة الشعائر الدينية.
وقال سفير الولايات المتحدة لدى الفاتيكان، براين بورش، للصحافيين، خلال هذا الأسبوع، إنّ اللقاء سيشكل على الأرجح «محادثة صريحة».
ومن المتوقَّع أن يتناول روبيو والبابا خلال لقائهما ملف كوبا أيضاً. وقد أشارت وزارة الخارجية الأميركية بوضوح إلى هذا الأمر عند إعلانها عن زيارة روبيو إلى الفاتيكان، من خلال ذكرها «نصف الكرة الغربي»، وهو المصطلح المستخدَم في الولايات المتحدة للإشارة إلى أميركا اللاتينية.

يضطلع الكرسي الرسولي منذ سنوات بدور فاعل في الدبلوماسية المرتبطة بكوبا، فيما قاد روبيو الذي ينحدر والداه من أصول كوبية، جهود إدارة ترمب للضغط على الحكومة الشيوعية.
ومنذ سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حليف هافانا، بعدما اعتقلته القوات الأميركية مطلع يناير (كانون الثاني)، تنتهج واشنطن سياسة الضغط الأقصى على الجزيرة الخاضعة أصلاً لحصار أميركي منذ أكثر من ستة عقود.
ولدى البابا إلمام عميق بأميركا اللاتينية، وقد حصل على الجنسية البيروفية عام 2015، عقب قضائه أكثر من عقدين في العمل التبشيري بالمنطقة.
وليس مألوفاً على الإطلاق في العرف الدبلوماسي الفاتيكاني العريق أن يبادر البابا شخصياً بالرد على مواقف وتصريحات سياسية تصدر عن رؤساء الدول، لكن من الواضح أنه حرص على نهج هذا الأسلوب الذي لم يسبقه إليه حتى سَلَفه البابا فرنسيس الذي كان موصوفاً بجنوحه نحو التصريحات التي تكسر التوازن الدقيق الذي تميّزت به دائماً مواقف الكنيسة.

وكان ليو الرابع عشر قد ردّ على التصريحات الأولى الصادمة للرئيس الأميركي، عندما قال منذ شهر في بداية زيارته إلى الجزائر: «لستُ خائفاً من إدارة ترمب. سأواصل الحديث بصوت عالٍ ضد الحرب»، ليضيف أنه لا نية لديه للدخول في سجال مع ترمب «لأن الإنجيل واضح. ومن واجب الكنيسة الأخلاقي الوقوف ضد الحرب».
قبل الرد الأخير للبابا كان وزير خارجية الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، قد تولّى هو أيضاً التعليق على التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي، مستخدماً اقتباساً لاتينياً مفاده أن البابا يواصل طريقه، بغض النظر عما إذا كانت مواقفه تلقى الاستحسان أو الامتعاض. ولا شك في أن إصرار البابا على الإدلاء شخصياً بتصريح يؤكد فيه موقف الكنيسة الكاثوليكية هو دليل واضح على عمق التوتر الذي يسود العلاقات بين واشنطن والفاتيكان، الذي يحاول روبيو التخفيف من حدته، في مهمة تبدو شبه مستحيلة في الوقت الراهن، كما تؤكد مصادر دبلوماسية فاتيكانية.
واللافت في هذا الهجوم الجديد الذي شنّه ترمب على ليو الرابع عشر أنه جاء ضمن عرض مسهب لموقف عريض من الكنيسة الكاثوليكية، بعد أن كان وصف البابا بأنه «فظيع في السياسة الخارجية، وعليه أن يكفّ عن إرضاء اليسار الراديكالي»، واتهمه بالتحالف مع إيران، ثم قال: «لا أريد أن ينتقد البابا رئيس الولايات المتحدة، لأني أقوم بما انتُخِبت لأجله بأغلبية ساحقة».

الشرارة الأولى التي أشعلت التوتر في العلاقات بين واشنطن والفاتيكان، منذ أواخر العام الماضي، كانت انتقادات البابا الصريحة لسياسة الهجرة الأميركية، وتبنّي الكنيسة الأميركية تلك الانتقادات، ثم جاءت العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، وبعدها الحرب على إيران، واستخدام ترمب ومعاونيه الرموز الدينية المسيحية لتبريرها، كما لو أنها حرب صليبية. وكان التوتر بين الطرفين قد بلغ ذروته عندما تمّ استدعاء القاصد الرسولي لدى الولايات المتحدة إلى وزارة الدفاع الأميركية، وليس إلى وزارة الخارجية، كما في العرف الدبلوماسي، حيث سمع كلاماً صريحاً يدعو البابا إلى عدم التدخل في الشؤون الأميركية والامتناع عن التعليق على مجريات الحرب ضد إيران، مع استحضار لحدث تاريخي مشؤوم في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، عندما انشقّت عنها مجموعة من الكرادلة، بتأثير من التاج الفرنسي، واستقرّت في مدينة آفينيون، وانتخبت 7 باباوات، في تحدّ سافر لسلطة روما، مطالع القرن الرابع عشر.

يومها حاول الفاتيكان استيعاب الحدث وتجاوزه بتصريحات هادئة، لكن الهجوم المباشر الذي شنّه ترمب على مواطنه، البابا ليو الرابع عشر، وأتبعه، هذا الأسبوع، بهجوم آخر، رسّخ الاعتقاد لدى الدوائر الدبلوماسية في الفاتيكان بأن المسألة لم تعد مجرّد «شطط» في تصريحات درج عليها الرئيس الأميركي، بل إن ثمّة حملة مدروسة تستهدف الكنيسة الكاثوليكية «لا بد من مواجهتها»، كما قال دبلوماسي فاتيكاني مخضرم في حديث مع «الشرق الأوسط».
لكن رغم ذلك، أبقى الفاتيكان طاقة مفتوحة لترميم العلاقة مع الإدارة الأميركية، عندما أعلن بارولين، مساء الأربعاء، أنه «رغم بعض الصعاب، تبقى الولايات المتحدة محاوراً رئيسياً بالنسبة للفاتيكان، لا سيما أن لها دوراً أساسياً في كل الأوضاع التي يعيشها العالم اليوم».
لكن رفض وزير خارجية الفاتيكان الردّ على سؤال حول ما إذا كان البابا على استعداد للتحاور هاتفياً مع الرئيس دونالد ترمب، مكتفياً بالقول: «لنستمع أولاً إلى روبيو، وبعد ذلك نرى».
وسيلتقي روبيو رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الجمعة. وقالت ميلوني للصحافيين، الأربعاء: «سنستمع إليه»، مؤكدة أن واشنطن هي التي بادرت بهذا اللقاء.
وأضافت: «أتوقع أننا سنتحدث بكل التطورات التي حصلت خلال الأيام الأخيرة. لا يمكننا تجاهل هذه القضايا».




