صدمة الطاقة تختبر الحكومات.. وصندوق النقد يحذر من «الدعم السهل» : CNN الاقتصادية

«لا وصفة واحدة للجميع»
بحسب تحليل صندوق النقد فلا توجد استجابة موحدة تصلح لكل الدول؛ لأن أثر الصدمة يختلف وفق اعتماد كل اقتصاد على الطاقة المستوردة، وهيكل الأسواق المحلية، وقوة شبكات الحماية الاجتماعية، وحجم الحيز المالي المتاح، كما أن حالة عدم اليقين بشأن مدة الصدمة وحجم انتقالها إلى التضخم تجعل مهمة صناع السياسات أكثر تعقيداً.
وتتمثل المعضلة الأساسية بحسب صندوق النقد في أن السماح بتمرير الأسعار بالكامل قد يضغط بقوة على القوة الشرائية للأسر، خصوصاً الفقيرة، ويهدد بزيادة الفقر وإغلاق الشركات الضعيفة، لكن تثبيت الأسعار أو تعميم الدعم قد يكون أكثر كلفة، لأنه يضعف إشارات السوق ويشجع الاستهلاك في وقت تعاني فيه الإمدادات من ضغوط.
تمرير الأسعار.. مع حماية الأضعف
يدعو الصندوق إلى السماح للأسعار المحلية بأن تعكس إلى حد كبير التكاليف الدولية، مع توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر تضرراً. فارتفاع أسعار الطاقة، وفق تقييم الصندوق، يمثل صدمة عرض سلبية: يرفع الأسعار، يضغط على النشاط الاقتصادي، ويضع البنوك المركزية أمام معضلة بين مكافحة التضخم وعدم خنق النمو.
وفي الاقتصادات المستوردة للطاقة، قد يؤدي ارتفاع أسعار الواردات إلى تراجع الدخل الحقيقي بما يصل إلى 2% و3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة قصيرة في ظل الصدمة الحالية، ما يعني أن جزءاً من العبء لا مفر من استيعابه عبر انخفاض الطلب المحلي.
ويوصي الصندوق بأن تكون الإجراءات المالية «مؤقتة، وموجهة، وفي الوقت المناسب، ومصممة حسب ظروف كل دولة»، لا أن تتحول إلى دعم عام يصعب سحبه لاحقاً.
التحويلات النقدية أولاً
يرى الصندوق أن الأسر الفقيرة هي الحلقة الأضعف في صدمات الطاقة والغذاء، إذ تنفق عادةً ضعفي أو ثلاثة أضعاف ما تنفقه الأسر الأعلى دخلاً من دخلها على هذين البندين، بينما تمتلك مدخرات أقل تمكّنها من امتصاص الصدمة.
من هنا، يضع الصندوق التحويلات النقدية الموجهة في مقدمة أدوات الحماية، ويفضل أن تمر عبر أنظمة المساعدة الاجتماعية القائمة، وهذا النوع من الدعم يسمح بحماية الأسر الأكثر هشاشة من دون تعطيل إشارات الأسعار أو تضخيم تكلفة الموازنة.
وإذا كانت شبكات الأمان الاجتماعي غير كافية، يمكن للحكومات زيادة المدفوعات مؤقتاً أو توسيع قاعدة المستفيدين لتشمل الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل المعرضة لخطر الانزلاق إلى الفقر، أما في حالات الصدمات الكبيرة والمؤقتة، فقد تلجأ الحكومات إلى خصومات لمرة واحدة أو توزيع الزيادات السعرية على فترات زمنية، بدلاً من تجميد الأسعار بالكامل.

صندوق النقد يرى أن الأسر الفقيرة هي الحلقة الأضعف في صدمات الطاقة والغذاء (شترستوك)
دعم الشركات بالسيولة لا بتجميد الأسعار
بالنسبة للشركات، يفرق الصندوق بين دعم السيولة ودعم الجدوى الاقتصادية. فالهدف ليس إنقاذ كل شركة من أثر ارتفاع التكاليف، بل منع إفلاس الشركات السليمة والقادرة على الاستمرار بسبب ضغوط نقدية قصيرة الأجل.
لذلك، يوصي الصندوق باستخدام أدوات مثل القروض المضمونة حكومياً، وخطوط الائتمان، وتأجيلات الضرائب أو اشتراكات الضمان الاجتماعي لفترات قصيرة، فهذه الأدوات أقل تكلفة على المالية العامة وأسهل في التراجع عنها مقارنة بالمنح المباشرة أو ضخ رؤوس الأموال، التي قد تتحول إلى التزام سياسي ومالي دائم.
وينبغي أن يتركز الدعم على الشركات السليمة أو ذات الأهمية الاستراتيجية، خصوصاً في القطاعات التي تنتقل فيها تكاليف الطاقة سريعاً إلى أسعار المستهلكين.
متى يصبح الدعم العام مبرراً؟
يحذر صندوق النقد من أن خفض ضرائب الطاقة، أو وضع سقوف للأسعار، أو تقديم إعانات عامة، أدوات واسعة ومشوّهة؛ فهي غالباً ما تفيد الأسر الأعلى دخلاً أكثر من الفقراء، لأنها تستهلك طاقة أكثر، كما يصعب إنهاؤها تدريجياً، وقد تؤدي إلى نقص في الإمدادات إذا لم يحصل الموردون على تعويض كافٍ.
ومع ذلك، لا يستبعد الصندوق استخدامها بالكامل، لكنه يحصرها في ظروف استثنائية جداً، عندما تكون الصدمة مؤقتة بوضوح، وتنتقل أسعار الطاقة بسرعة إلى التضخم العام، وتصبح توقعات التضخم مهددة بالانفلات، ويكون النشاط الاقتصادي غير مفرط السخونة، وتمتلك المالية العامة القدرة على تحمل التكلفة.
حتى في هذه الحالات، يشدد الصندوق على أن الإجراءات يجب أن تكون شفافة، ومحددة النطاق، ومؤقتة، وأن تتجنب الحكومات تجميد الأسعار بالكامل كقاعدة عامة.
الأسواق الناشئة أمام مفاضلات أصعب
وبحسب تحليل صندوق النقد، تبدو المفاضلات أكثر حدة في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، فهذه الدول تمتلك عادةً شبكات حماية اجتماعية أضعف، وتنفق الأسر فيها حصة أكبر من دخلها على الغذاء والطاقة، كما تواجه قيود سيولة أشد، وتوقعات تضخم أكثر هشاشة، وحيزاً مالياً أضيق بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض.
في المقابل، تمتلك الاقتصادات المتقدمة قدرة أكبر على الاعتماد على التحويلات المستهدفة وآليات الاستقرار التلقائي، مع استخدام أدوات التسعير فقط في الحالات الاستثنائية.
لكن الصندوق يرى أن قرارات الدول الغنية لا تبقى محلية؛ فعندما تخفي الاقتصادات الكبرى إشارات الأسعار عبر دعم واسع أو سقوف سعرية، فإنها تحافظ على الطلب العالمي مرتفعاً، ما يدفع الأسعار الدولية للصعود ويزيد النقص، وهو ما يضر خصوصاً بالدول الفقيرة المستوردة للطاقة والغذاء.
وصفة صندوق النقد: تدخّل متدرج لا شامل
يرى الصندوق أن الاستجابة الناجحة لصدمات الطاقة والغذاء تبدأ بتقييم مدة الصدمة، ثم اختيار الأداة المناسبة لكل هدف: دعم نقدي للأسر، سيولة مؤقتة للشركات، وتمرير تدريجي للأسعار بدلاً من تعطيلها.
ولا يدعو صندوق النقد إلى تقشف فوري في مواجهة الصدمة، ولا إلى ترك الأسر والشركات وحدها أمام ارتفاع الأسعار، لكنه يحذر من أن الدعم الواسع وغير المحدد قد يشتري هدوءاً سياسياً قصير الأجل مقابل تكلفة مالية وتضخمية طويلة الأجل.
وفي عالم يعاني من ديون مرتفعة وتكاليف اقتراض صاعدة، تصبح دقة التفاصيل في تصميم السياسات عاملاً حاسماً: دعم من يحتاج فعلاً، لفترة محددة، وبأدوات لا تكسر الموازنة ولا تخفي حقيقة الأسعار.




