مخزونات النفط.. ما سُحب في يوم يستغرق سنوات لإعادة التعبئة : CNN الاقتصادية


في الوقت الذي تأمل فيه الأسواق العالمية عودة الإمدادات النفطية المفقودة بعد أشهر من الاضطرابات الجيوسياسية، تتشكل في الخلفية أزمة أكثر تعقيداً وأطول أمداً، ترتبط بمخزونات النفط العالمية التي استُنزفت بوتيرة غير مسبوقة خلال الحرب الأميركية الإيرانية، والتي قد تتحول عملية إعادة بنائها إلى مصدر جديد ومستدام للضغط على أسعار النفط.
فبعد أشهر من السحب المكثّف من الاحتياطيات الاستراتيجية والتجارية لاحتواء أكبر اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية منذ سنوات، تواجه الحكومات والمصافي والمستهلكون الكبار أزمة لاستعادة تلك البراميل المفقودة خلال الأزمة، إذ يتوقع عدد من محللي قطاع الطاقة أن تستغرق إعادة ملء مخزونات النفط التي سحبت خلال أيام سنوات كاملة.
وقدرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض مخزونات النفط العالمية بمعدل 8.5 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، وهو ما يدفع أسعار خام برنت إلى متوسط يقارب 106 دولارات للبرميل في مايو ويونيو.
وتقول الإدارة إن تقديراتها تشير إلى أن معظم الإنتاج المتوقف سيُستعاد بالكامل بحلول يناير 2027، وإن مخزونات النفط العالمية ستبدأ مجدداً في التراكم، ما يساعد على خفض أسعار النفط تدريجياً إلى متوسط 79 دولاراً للبرميل في 2027.
ووفق تقديرات كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management إرن لوهمان راسموسن، فمن المرجح أن تستغرق استعادة الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط عدة سنوات، إذ ستعتمد وتيرة إعادة بناء المخزونات على سرعة تعافي الإنتاج في منطقة الخليج العربي، بالإضافة إلى العودة إلى حالة فائض عالمي في المعروض قبل أن تتوفر مساحة حقيقية لإعادة ملء الاحتياطيات.
ويقول ديفيد جوربناز، رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS، إن إعادة بناء مخزونات النفط عالمياً ليست مسألة قصيرة الأجل، بل عملية تمتد لسنوات وليس لأشهر، فالمخزونات الاستراتيجية، سواء لدى الحكومات أو الوكالات المختصة بالطاقة، تم سحبها بسرعة خلال فترة الأزمة، لكن إعادة بنائها لا يمكن أن تتم بالوتيرة نفسها، لأنها تخضع لقيود البنية التحتية للتخزين والميزانيات الحكومية وظروف سوق تتسم أصلا بشح هيكلي في الإمدادات.
وأضاف جوربناز أن سحب أكثر من 100 مليون برميل يمكن أن يحدث خلال أسابيع معدودة، بينما يتطلب إعادة الكميات نفسها إلى المخازن سنوات من المشتريات التدريجية، مشيراً إلى أن كل برميل يُشترى لإعادة بناء الاحتياطيات يمثل طلباً إضافياً جديداً في السوق، ويتنافس مباشرة مع الطلب التجاري والاستهلاكي، فالاحتياطيات الاستراتيجية تمثّل عملياً مشروع إعادة بناء يمتد بين 3 و7 سنوات وفق وتيرة شراء مستدامة، وقد يستمر فترة أطول إذا فضلت الحكومات انتظار أسعار أقل للنفط قبل استئناف الشراء المكثف.
ثلاث موجات طلب تنتظر السوق
ويستبعد راسموسن أن تبدأ الولايات المتحدة الأميركية إعادة بناء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي قبل انتخابات التجديد النصفي، لأن ذلك قد يدعم أسعار النفط والبنزين، أما أوروبا وآسيا فستكونان أكثر حرصاً على إعادة بناء المخزونات، إذ سيُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره خطراً كبيراً على أمن الإمدادات، فإذا تمكنت إيران من إغلاقه مرة واحدة، فسيبقى احتمال إغلاقه مجدداً قائماً”.
لكن رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS يقول إن التطورات الحالية تكشف أن السوق لا تواجه فقط عجزاً مؤقتاً في الإمدادات، بل تستعد لمواجهة ثلاث موجات شراء ضخمة تتشكل في الخلفية، حيث إن الموجة الأولى تتمثل في الصين التي بدأت بالفعل استنزاف جزء من مخزوناتها خلال الأزمة، وستحتاج في مرحلة لاحقة إلى إعادة تكوين هذه الاحتياطيات، أما الموجة الثانية فتتمثل في الحكومات التي لجأت إلى الاحتياطيات الطارئة لتخفيف صدمة الأسعار وحماية الأسواق المحلية، في حين تمثّل الموجة الثالثة المصافي التي استهلكت جزءاً من مخزوناتها التشغيلية للحفاظ على تدفق المنتجات النفطية خلال فترات الاضطراب.
ويرى جوربناز، أن سرعة عودة هذه المخزونات تختلف حسب المخزونات التشغيلية لدى المصافي يمكن أن تعود إلى مستوياتها الطبيعية خلال أشهر بمجرد استقرار الأسعار، بينما تحتاج الاحتياطيات الاستراتيجية إلى سنوات من الشراء التدريجي لإعادة تكوينها.
المخزونات تتراجع بوتيرة غير مسبوقة
وتعكس حركة المخزونات العالمية حجم الضغوط التي بدأت تتشكل في السوق بالفعل، فقد انخفضت مخزونات النفط الخام البرية عالمياً بنحو 60 مليون برميل منذ أواخر مارس، لتصل إلى نحو 3 مليارات برميل فقط حالياً.
وتشير تقديرات شركة كبلر إلى أن السوق سحبت ما يقرب من مليوني برميل يومياً من المخزونات خلال الشهرين الماضيين، وهو معدل يتوافق إلى حد كبير مع العجز الفعلي المسجل في سوق النفط العالمية.
أكبر عملية سحب في تاريخ وكالة الطاقة الدولية
يقول راجات كابور، مدير شؤون النفط والغاز في شركة سينرجي للاستشارات، إن وكالة الطاقة الدولية قررت خلال اجتماع استثنائي في 11 مارس 2026 إتاحة 400 مليون برميل من المخزونات الطارئة للأسواق، في أكبر عملية سحب منسقة للاحتياطيات خلال تاريخ الوكالة الممتد لخمسين عاماً، ويمثل هذا الرقم أكثر من ضعف الكميات التي أُفرج عنها عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حيث تحملت الولايات المتحدة النصيب الأكبر من العملية، بعدما التزمت بالإفراج عن 172 مليون برميل من احتياطيها النفطي الاستراتيجي، أي ما يعادل 43% من إجمالي الكميات التي وافقت عليها وكالة الطاقة الدولية.
وجاءت اليابان في المرتبة الثانية بإفراج بلغ 80 مليون برميل، بينما أفرجت كوريا الجنوبية عن 22.46 مليون برميل، وأسهمت كندا والمملكة المتحدة بكميات إضافية، في حين شاركت عدة دول أوروبية من خلال مخزونات المنتجات النفطية المكررة.
ويضيف كابور أنه على الرغم من ضخامة رقم المسحوبات من الاحتياطي الاستراتيجي النفط، فإن فاعليته تبقى محدودة مقارنة بحجم الأزمة، فإغلاق مضيق هرمز أدى إلى تعطيل نحو 20 مليون برميل يومياً من الإمدادات العابرة، ووفق هذا المعدل، فإن 400 مليون برميل تكفي لتغطية نحو 20 يوماً فقط من فجوة الإمدادات، قبل احتساب التأثيرات المرتبطة بالغاز الطبيعي المسال.
شراء الوقت لا حل الأزمة
ويرى كابور أن الاحتياطيات الاستراتيجية لا تمثل حلاً دائماً للأزمة، بل أداة مؤقتة لامتصاص الصدمة الأولية وتهدئة الأسواق، فالإفراج عن 400 مليون برميل يشتري ما بين 90 و120 يوماً من الاستقرار النسبي، لكنه لا يعوض فقدان الإمدادات الفعلية ولا يوفر معالجة مستدامة للمشكلة، فالحكومات التي باعت النفط من احتياطياتها خلال الأزمة ستضطر في مرحلة لاحقة إلى العودة للسوق وإعادة شراء البراميل نفسها، ما يخلق مصدراً إضافياً للطلب في سوق تعاني أصلاً ضيق المعروض».
الأسواق تستنزف المخزونات بوتيرة قياسية
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات التجارية العالمية تتآكل بسرعة تحت ضغط الحرب واضطرابات الإمدادات.
وفي أحدث تقاريرها الشهرية، كشفت وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات العالمية تراجعت بنحو 246 مليون برميل خلال شهري مارس وأبريل فقط، في واحدة من أسرع موجات السحب المسجلة تاريخياً.
كما خفّضت الوكالة توقعاتها لإمدادات النفط العالمية خلال عام 2026، متوقعة تراجعاً بنحو 3.9 مليون برميل يومياً بفعل الحرب، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى تراجع يبلغ 1.5 مليون برميل يومياً فقط.




