مصنع كميكو من الريادة الصناعية والإدارية بالأمس إلى حصار اليوم: حكاية الصرح الصناعي الذي يواجه الاستقواء والابتزاز بتعز.
قراءة في ذاكرة التأسيس وتفاصيل المعاناة !!
▫️رصد ومتابعة
ثمة صور تاريخية لاتغادر الذاكرة بل تظل شاهدة على بدايات استثنائية لرواية نجاح يمنية فريدة، قبل نحو نصف قرن ، في العام 1976م وقف فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره بثبات لافت، ممسكا بالميكروفون ليعلن تدشين أكبر مصنع طلاء في البلاد .
لم تكن تلك اللقطة العفوية مجرد حدث عابر بل كانت بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة عقلية قيادية فذة، إنه الأستاذ أبوبكر أحمد عبدالله الشيباني، الذي تدرج بجدارته وحنكته ليصبح رئيساً لمجلس إدارة مجموعة شركات أحمد عبدالله الشيباني التجارية والصناعية، منذ صباه الباكر، فقد كان منذ نعومة أظفاره شعلة من الذكاء والنباهة التي جعلت الجميع يتنبأ له بمستقبل قيادي باهر.
ومع مرور العقود تجسدت تلك التوقعات واقعا ملموسا، ليقود اليوم هذا الكيان الاقتصادي العملاق الذي عاصر خطواته الأولى ، مبرهنا على أن الريادة الحقيقية تصنعها الإرادة الصلبة والغرس المبكر كتفاً بكتف مع والده المؤسس على مدى 50 عاما.
▫️خط زمني من الكفاح: محطات غيرت وجه الصناعة اليمنية:
يروي رجال الرعيل الأول الذين عاصروا وضع اللبنة الأولى، كيف انتقل هذا الصرح عبر ثلاثة مراحل تاريخية رسمت ملامح النجاح :
– المرحلة الأولى: شارع جمال (1968) فمن هنا كانت البداية لتأسيس مصنع كميكو في قبو أسفل عمارة الحاج أحمد عبد الله الشيباني، وبلون واحد “اللون الأبيض”.
– المرحلة الثانية: الحصب (1976) بداية الانتقال المؤسسي، والذي دشنتها الحكومة اليمنية بوضع حجر الأساس عام 1976م أمام “بوابة مصنع البلاستيك حاليا” في شارع الحصب، وتم الانتقال كلياً في 19 نوفمبر 1977م، حيث انتقل الإنتاج بالكامل من المقر القديم بشارع جمال لتطوى صفحة البدايات وتبدأ مرحلة التوسع.
– المرحلة الثالثة: إلى الربيعي (1988- 1990) : مع اتساع الطموح وتوسع الأسواق، وترسخت ثقافة الألوان لدى المواطن اليمني، بدأت الترتيبات لنقل المصنع إلى منطقة “الربيعي” (حذران) عام 1988م عبر استيراد أحدث الآلات وفي سبتمبر 1990م نُفذت خطة النقل التدريجي الذكية بتشغيل خط منظف “الفلاش” أولاً، ثم نقل بقية خطوط الطلاء تباعا.
وقد اتسمت هذه المرحلة بالتطوير والتحديث النوعي في إضفاء ألوان جديدة، وتكونت علامات تجارية لونية بنوعيها الزيتي والمائي، فبرزت علامة تيتان (Titan) كعنوان للجودة، تلاها منتج شيلد الحائز على امتياز شركة ICI العالمية، هذا المنتج الذي بنى جسور الثقة مع المستهلك، أما العلامة الأبرز كميكو (Chemico)، فقد كانت تمثل قفزة المستقبل التي تزامنت مع التقنيات الحديثة، كما تم تدشين منتجات وعلامات جديدة كالفارنيشات والغراءات، والمخففات الثينارية، ومنتجات عناية السيارات من طلاءات ومعاجين وزيوت فرامل، ومنتجات أخرى كثيرة ومميزة.
كل هذا التحديث والتطوير كان في ظل إشراف الوالد المؤسس الحاج أحمد عبد الله الشيباني، وإدارة مباشرة من ابنه أبوبكر أحمد عبد الله الشيباني، واستمر التألق عاما بعد عام، وفي 2022م احتفلت الشركة ومعها أخواتها من شركات المجموعة باليوبيل الذهبي لشركة كميكو للطلاء والكيماويات المحدود.
الانتقالة الأسوأ والواقع المرير .. أموال السيطرة وسطوة النفوذ:
إن هذا الإرث الصناعي العريق يواجه اليوم خطرا حقيقيا يهدد استقراره وبقاءه بسبب ممارسات غير قانونية تعصف بالمصنع في منطقة الربيعي/حذران ، ففي انقلاب واضح على قيم الشراكة والأطر القانونية ، قام عبد الكريم أحمد عبدالله الشيباني بالسطو على المصنع بعد وفاة الحاج الشيباني بأيام قليلة، وقام بتحويل المصنع إلى ثكنة عسكرية، وأحرم الورثة والمساهمين من دخوله، وبدأ بنهب ميزانيته، وضخ مبالغ مالية ضخمة في محاولة للاستحواذ والسيطرة واحتلال مصنع كميكو واستغلاله لمصلحته الشخصية، مهدداً الاستقرار التجاري للمجموعة ومتمرداً على الأسرة والقضاء.
فكما هو معلوم بأنه عندما تتأثر القضايا التجارية باستمرار الإجراءات المعقدة والمتعسفة، وتتدخل الاعتبارات والمصالح الخاصة في القرارات القانونية والإدارية، فإن هذا يهدد استقرار الأعمال، ويؤدي إلى ضياع الحقوق، والأوضاع الحالية لمصنع “كميكو” تعدُّ دليلا واضحا على التناقضات الإجرائية والتعسفات الإدارية، حيث تحول المصنع في نظر البعض إلى “منشأة ذات عوائد مستمرة” يسعى المستفيدون لإطالة أمد النزاع فيها تلبية لمطامع خاصة.
تغول أمني وابتزاز مالي:
ملايين الريالات تستنزف بقوة السلاح
والأخطر من ذلك هو الواقع الأمني المفروض داخل المصنع حالياً حيث يخضع الموقع لسيطرة وحراسة “رجال أمن” تابعين لمدير أمن تعز في الحوبان ، فهؤلاء الأفراد يمارسون أعمال التضييق المستمر على الشركاء الشرعيين، ويتقاضون مبالغ مالية طائلة يتم استنزافها واقتطاعها مباشرة من إيرادات وميزانية المصنع دون أي حق قانوني.
وبحسب تتبع منصة “رصد” الإعلامية، فإن الحسبة التقديرية لكلفة هذا التواجد تكشف أرقاما مهولة وصادمة :
فقد وصلتنا معلومات مؤكدة بأن كلفة الجندي الواحد: يتقاضى نحو 10 آلاف ريال يومياً (شاملة النقدي والتغذية)، ما يعادل 300 ألف ريال شهرياً، و3 ملايين و600 ألف ريال سنوياً.
إجمالي كلفة الجنود (15 جندياً) يبلغ الإنفاق اليومي عليهم حوالي 150 ألف ريال، ما يعادل 54 مليون ريال سنوياً.
الفاتورة الإجمالية خلال 3 سنوات: تقاضى هؤلاء الجنود وحدهم خلال ثلاثة أعوام ما يقارب 162 مليون ريال يمني، هذا بمعزل عن المبالغ الكبيرة والامتيازات التي تذهب للقادة والمشرفين على بقائهم والتي قد تتجاوز 36 مليون ريال سنوياً.
هذه الاموال هي حقوق أناس من الورثة والمساهمين، ويأتي من يصرفها لمن لا علاقة له بالمنشأة، وكان الأولى أن تذهب لتطوير المصنع، وتحسين دخل الموظفين والشركاء والملاك الشرعيين بدلاً من إنفاقها لحماية طرف منتحل لصفة المدير العام وباسط على حقوق المساهمين والورثة.
▫️نداء للشفافية : توجيهات عليا تواجه بالرفض القاطع:
تكمن المفارقة الصادمة في أن هذا التواجد الأمني يستند إلى “شماعة” توجيهات سابقة عفا عليها الزمن وصدرت قبل نحو ثلاثة أعوام من محكمة تجارية وأصبحت لاغية قانوناً بوفاة المؤسس الحاج أحمد عبدالله الشيباني ، ورغم زوال الأسباب يرفض المسؤول الأمني الانصياع لسلسلة من الأوامر والتوجيهات الصارمة الصادرة من أعلى هرم في السلطة.. على سبيل المثال:
* المؤسسة الرئاسية: توجيهات صريحة من مكتب الرئيس عبر مدير مكتبه بمغادرة المصنع.
* وزارة الداخلية : أمر واضح من معالي وزير الداخلية بإخلاء المصنع من الجنود.
* السلطة المحلية بتعز : صدور توجيهات متكررة ومشددة من محافظ المحافظة بمغادرة الجنود نظراً لزوال الدواعي السابقة وتسليم المنشأة لرئيس مجلس الإدارة الشرعي الحالي الأستاذ أبوبكر أحمد عبدالله الشيباني.
إن استمرار رفض هذه التوجيهات يعكس تحدياً سافراً لهيبة الدولة ومؤسساتها ويوحي بمدى تغول المصالح الشخصية على حساب القانون والقطاع الخاص.
وإن مصنع كميكو بالربيعي ليس مجرد جدران وآلات بل هو قصة كفاح وتاريخ اقتصادي أصيل صاغته عقود من العطاء والكفاح.
ووجود ممارسات تؤدي إلى تفخيخ المسار وإطالة الإجراءات في أروقة النيابات والمحاكم ووزارة الصناعة والتجارة يفرض حاجة ماسة لتصحيح المسار، فالوزارات يجب أن تكون حامية للحقوق لا طرفاً في النزاع.
وبصفتنا “سلطة رابعة” نضع هذه الحقائق والوثائق أمام الرأي العام والجهات المعنية كواجب إعلامي وأخلاقي، والكارثة اليوم لا تتوقف عند تهديد مصنع كميكو بالتوقف والإفلاس، بل تمتد للجانب الأخلاقي وللبيئة الاستثمارية، فمالم تتدخل المؤسسة الرئاسية بحزم لردع هذه التجاوزات وحماية القطاع الخاص فإن عدوى هذا الابتزاز قد تنتقل للمصانع والشركات الأخرى في مناطق تعز والحوبان، مما يهدد بانهيار بيئة الأعمال بالكامل.