بين فائض المعروض وأزمة هرمز.. تقلبات النفط الحادة تفرمل الاستثمار : CNN الاقتصادية


في إحدى أكثر مراحل أسواق الطاقة تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، تتصاعد حدة التقلبات في أسعار النفط لتتحول من عامل دوري إلى عنصر يعيد صياغة قواعد الاستثمار طويل الأجل، ليرى عدد من محللي قطاع الطاقة والنفط أن تلك التقلبات تجعل من المستحيل على مخصصي رؤوس الأموال بناء نماذج استثمار تمتد عقدين من الزمن.
وخلال معظم العام أدّت أسعار النفط دوراً محورياً في توجيه الأسواق العالمية، بينما يحاول المستثمرون تفسير الإشارات المتضاربة الصادرة عن واشنطن وطهران، في ظل استمرار المفاوضات بين الجانبين منذ دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في أبريل نيسان.
وسجّلت أسعار النفط أدنى مستوياتها في أسبوعين مع بداية تعاملات الأسبوع، إذ هبط خام برنت بأكثر من 4% إلى 98.83 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الأميركي بأكثر من 4% أيضاً إلى 92.03 دولار للبرميل.
يقول ديفيد جوربناز، رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في ICIS، إن هذا المستوى من التقلبات ينسف وظيفة التخطيط للسعر، حيث إن تحرك خام برنت من 60 دولاراً في يناير إلى أكثر من 140 دولاراً في مارس، ثم عودته إلى 95 دولاراً، يجعل من المستحيل على مخصصي رؤوس الأموال بناء نماذج استثمار تمتد عقدين من الزمن، في ظل منحنى آجل يعيد تسعير نفسه بنسبة 30% خلال أسبوعين، وهو ما يدفع السوق إلى التوقف عن العمل كسوق تقليدية والاقتراب من نظام تسعير مختلف.
وأضاف جوربناز أن التقلبات الحادة في أسعار النفط والطاقة تنعكس بشكل مباشرة على قرارات الاستثمار في القطاع، إذ تشير التقديرات إلى انكماش الإنفاق العالمي على الاستكشاف والإنتاج بنسبة 2–3% خلال 2026 للعام الثاني على التوالي، بقيادة شركات النفط الصخري في أميركا الشمالية والشركات الأوروبية الكبرى، في مقابل توجه شركات النفط الوطنية في الخليج نحو زيادة الإنفاق.
ويقول رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في ICIS إن تلك التقلبات قد أسهمت في تأجيل أكثر من 50 مليار دولار من قرارات الاستثمار النهائية في مشاريع بحرية جديدة، بينما تركّز الشركات المدرجة على حماية توزيعات الأرباح وخفض الديون، في حين تستغل الصناديق السيادية فترات التراجع لشراء أصول طويلة الأجل، وفي المقابل أصبحت التقلبات نفسها أداة استثمارية، مع تزايد الاعتماد على استراتيجيات قصيرة الأجل وتقييم شركات النفط المتكاملة ليس فقط بناء على الاحتياطيات، بل أيضاً على قدراتها في التداول وإدارة المخاطر.
لماذا تتسارع التقلبات رغم غياب تصعيد عسكري مباشر؟
يرى جوربناز أن هذا الاضطراب يأتي في وقتٍ يتسم فيه المشهد الجيوسياسي بحالة وقف إطلاق نار مشروط بعد ضربات أميركية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير شباط الماضي، مع بقاء مضيق هرمز في وضع شبه مغلق، حيث لا تتجاوز حركة العبور 5% من مستويات ما قبل الأزمة.
ويقول رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في ICIS إن المعطيات الحالية توضّح أن السوق يتحرك بين سيناريوهين متناقضين في آنٍ واحد، الأول يتمثل في علاوة مخاطر جيوسياسية مرتبطة بعدم استقرار وضع مضيق هرمز واحتمال انهيار وقف إطلاق النار في أي لحظة، والثاني يقوم على أساسيات سوق تتجه نحو فائض هيكلي مدفوع بتسارع الإمدادات من خارج أوبك، خصوصاً من البرازيل وغيانا والأرجنتين، إلى جانب تساؤلات متزايدة حول تماسك تحالف أوبك+ بعد التغيرات الأخيرة في سياسات بعض أعضائه، هذا التناقض المستمر بين سيناريو الفائض وسيناريو الأزمة هو ما يغذّي التقلبات الحادة في الأسعار.
توقعات متباينة للأسعار بين الانفراج والانفجار
ويضيف جوربناز أنه على المدى القصير، تبقى المعادلة مرتبطة بشكل مباشر بمصير مضيق هرمز، إذ إن أي عودة فعلية لحركة العبور قد تدفع خام برنت إلى التراجع نحو نطاق 70 دولاراً للبرميل، في ظل توقعات بفائض قد يتجاوز مليوني برميل يومياً. في المقابل، فإن أي انهيار في الهدنة قد يُعيد الأسعار إلى مسار مفتوح، بعد أن سجل خام بحر الشمال مستويات بلغت 144 دولاراً في أبريل.
ويقول رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في ICIS إن التقديرات تشير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يقع ضمن نطاقٍ واسع بين 90 و110 دولارات للبرميل خلال الربع الثالث، مع بقاء التقلبات مرتفعة، في حين يُقدَّر متوسط سعر برنت خلال 2026 بنحو 95 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يبقى مرهوناً بتطورات المشهد الجيوسياسي.
ويقول كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management إرن لوهمان راسموسن إن التقلبات الحادة تجعل من الصعب على المستثمرين تحديد سعر مرجعي لبناء مشاريع إنتاج جديدة، موضحاً أن الفارق بين 50 و100 دولار للبرميل كفيل بتغيير جدوى المشاريع بالكامل، كما أن هذه التقلبات تغذي المضاربة في أسواق العقود الآجلة، ما يؤدي بدوره إلى مزيد من عدم الاستقرار.
ويضيف راسموسن أن السوق ما زال يواجه مجموعة من الأسئلة غير المحسومة، أبرزها مصير مضيق هرمز، ومستقبل أوبك بعد التغيرات الأخيرة، وإمكانية عودة الطلب الصيني، إضافة إلى تأثير المخزونات المستنزفة على توازن السوق.
ووفق تقديرات كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management، فمن المرجح أن تبقى الأسعار في نطاق 80–100 دولار خلال بقية عام 2026، حتى في حال تحسن جزئي في الإمدادات، مع الإشارة إلى أن السوق قد يتجه لاحقاً، بحلول نهاية 2027 و2028، نحو فائض قوي مع تعافي الإنتاج العالمي.
سيناريوهات صدمة الإمدادات تُعيد رسم خريطة الطاقة
في المقابل، تحذّر تقديرات مؤسسة وود ماكنزي من أن أي إغلاق مطول لمضيق هرمز قد يفتح الباب أمام أكبر صدمة إمدادات في أسواق الطاقة منذ عقود، مع احتمالات لوصول الأسعار إلى 200 دولار للبرميل في أسوأ السيناريوهات، في ظل توقف أكثر من 11 مليون برميل يومياً من الإمدادات الخليجية، إلى جانب تعطل جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
وقدمت وود ماكنزي ثلاث مسارات رئيسية لتطور الأزمة، يتمثل الأول في السلام السريع الذي يعيد فتح المضيق بحلول يونيو، ما يدفع الأسعار إلى التراجع نحو 80 دولاراً بنهاية 2026، قبل أن تهبط إلى 65 دولاراً في 2027 مع عودة الفائض، أما السيناريو الثاني، التسوية الصيفية، فيفترض استمرار الإغلاق الجزئي حتى سبتمبر، مع تباطؤ النمو العالمي إلى أقل من 2% خلال 2026.
في حين يمثل السيناريو الثالث، الاضطراب الممتد، الحالة الأكثر حدة، حيث قد تبقى الأسعار قريبة من 200 دولار للبرميل، مع انكماش اقتصادي عالمي محتمل وتغيرات هيكلية في أنماط الطلب.




