شمس مصر تمهّد الطريق لترشيد دعم الطاقة : CNN الاقتصادية


تسارع مصر خطواتها نحو التحول إلى الطاقة المتجددة بعد أن ألزمت الحكومة المصرية أي مصنع جديد بتوفير 25% على الأقل من احتياجاته الكهربائية من الطاقة الشمسية كشرط أساسي للحصول على تراخيص التشغيل، وهو ما يصفه مسؤولون وخبراء بأنه إعادة صياغة لمعادلة التكلفة والامتثال البيئي في آنٍ واحد، بالإضافة إلى خطة لتقليل فاتورة استيراد الطاقة المرتفعة في ظل أزمة الطاقة العالمية الراهنة.
ألزمت الحكومة المصرية أي مصنع جديد بتوفير 25% على الأقل من احتياجاته الكهربائية من الطاقة الشمسية كشرط أساسي للحصول على تراخيص التشغيل.
يأتي ذلك بالتزامن مع إطلاق مبادرات مثل «شمس الصناعة» التي تستهدف التوسع في تزويد المصانع بالطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
يقول أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول المصري الأسبق، إن توجه الدولة للسماح للمصانع بتحويل جزء من استهلاكها الكهربائي إلى مصادر متجددة لا يمكن قراءته كقرار طاقي فقط، بل كاستجابة مزدوجة لضغوط خارجية واعتبارات اقتصادية داخلية تعيد تشكيل سلوك الاستثمار الصناعي.
ضغوط تصدير ومعادلة الكربون
يرى كمال أن العامل الأول يتمثل في تصاعد القيود البيئية على الصادرات، خصوصاً ما يتعلق بآليات خفض الانبعاثات الكربونية التي أصبحت شرطاً فعلياً في سلاسل التجارة الدولية، بما في ذلك آليات مثل CBAM الأوروبية، ما يفرض على المصانع إثبات خفض بصمتها الكربونية، بالإضافة إلى أن التحول نحو الكهرباء الخضراء أصبح المسار الأكثر مباشرة لتحقيق هذا الشرط، في ظل صعوبة إعادة هيكلة العمليات الصناعية الثقيلة بشكل سريع، ما يجعل الكهرباء المدخل الأسهل نسبياً لتقليل الانبعاثات، سواء المباشرة أو غير المباشرة، مقارنة بإعادة تصميم سلاسل الإنتاج نفسها.
تكلفة الوقود تقلب معادلة الكهرباء
أما العامل الثاني، فيقول رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول المصري الأسبق، إنه يرتبط بتحولات حادة في اقتصاديات توليد الكهرباء نفسها، بعد الارتفاع الكبير في أسعار الوقود البترولي عالمياً، في أعقاب التوترات الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
ويشير كمال إلى أن المحطات الحرارية، رغم كفاءتها التشغيلية، تستهلك في المتوسط نحو 180 غراماً من الوقود لكل كيلوواط/ساعة، وهو ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الديزل الذي قفز من نحو 600 دولار للطن إلى قرابة 1700 دولار عاملاً ضاغطاً مباشراً على تكلفة إنتاج الكهرباء، وهذا التحول، بحسب الرؤية المطروحة، لا يعني سوى نتيجة واحدة: ارتفاع مرجح في أسعار الكهرباء التقليدية، بما يدفع المصانع إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً على المدى المتوسط.
حدود الشبكات الكهربائية
ويقول رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول المصري الأسبق، إن التحول نحو الطاقة الشمسية، وفق الإطار التنظيمي الحالي، لا يرتبط فقط بالجدوى الاقتصادية، بل أيضاً بقدرة الشبكات الكهربائية على الاستيعاب، فالمشروعات التي تقل عن 500 كيلوواط يمكن ربطها بالشبكة بسهولة نسبياً، دون إجراءات معقدة، نظراً لضعف تأثيرها على استقرار الشبكة، لكن كل ما يتجاوز هذا الحد يدخل في نطاق الموافقات الفنية ودراسات الأحمال، بسبب المخاوف من تذبذب الإمدادات خلال ساعات النهار.
ويضرب كمال مثالاً بمشروعات ضخمة مثل بنبان بقدرة تقارب 2 غيغاواط، التي تطلبت استثمارات تتجاوز 100 مليار جنيه لتعزيز الشبكة الكهربائية، لمواجهة تقلبات الإنتاج المرتبطة بالظروف الجوية. وبحسب هذا الإطار، تتحرك الدولة تدريجياً نحو تخفيف اختناقات الربط، خصوصاً في أنظمة صافي القياس، مع استمرار تفاوت القدرة الاستيعابية بين المناطق.
بالتوازي مع المشروعات العملاقة، بدأت الحكومة المصرية التوسع في دعم أنظمة الطاقة الشمسية للمنازل والمصانع، عبر نظام «صافي القياس»، الذي يسمح للمواطنين بضخ فائض الكهرباء المنتجة من الألواح الشمسية إلى الشبكة القومية وخصمها من الاستهلاك.
وأكدت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن المواطنين أصبح بإمكانهم إنشاء محطات طاقة شمسية منزلية سواء مرتبطة بالشبكة أو مستقلة عنها بالكامل، من خلال منصة إلكترونية توفر الشركات المعتمدة وإجراءات التراخيص.
وتستهدف الحكومة الوصول إلى نحو 1000 ميغاواط من قدرات الطاقة الشمسية المنزلية، مقارنة بنحو 315 ميغاواط مركبة حالياً على مستوى الجمهورية، في إطار خطط تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية وتقليل استهلاك الوقود التقليدي.
زمن التنفيذ من الأسطح إلى الشبكات
ويقول رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول المصري الأسبق إنه على المستوى التنفيذي، تختلف المدد الزمنية بشكلٍ واسع بحسب حجم المشروع، فالمحطات الصغيرة في حدود 200 كيلوواط يمكن تنفيذها خلال نحو شهر ونصف الشهر، بينما تمتد المشروعات الأكبر في نطاق 2 ميغاواط إلى عدة أشهر نتيجة احتياجات التصميم، ودراسات الأحمال، وتوفر المساحات داخل حدود المصانع أو خارجها.
التمويل بين الملكية واتفاقيات شراء الطاقة
ويرى كمال أن اقتصاديات التحول لا تتوقف عند حدود التكنولوجيا، بل تمتد إلى نماذج التمويل، فبينما يمكن تنفيذ المشروعات عبر الاستثمار الذاتي، بما يخفض تكلفة الكيلوواط إلى نحو 5 سنتات، فإن خيار اتفاقيات شراء الطاقة (PPA) يتيح للمصانع الدخول في عقود طويلة الأجل بأسعار تتراوح بين 3 و4 جنيهات تقريباً دون تحمل استثمار رأسمالي مباشر.
لكن القرار النهائي، وفق هذا الطرح، يظل مرتبطاً بمعادلة التشغيل: هل الأفضل تشغيل المصنع بكامل طاقته مع تكلفة كهرباء أعلى أم العمل بطاقة أقل في ظل محدودية الإمدادات التقليدية؟
وأضاف رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول المصري الأسبق أن الحساب النهائي يميل لصالح الاستثمار في التوليد الذاتي أو التعاقد طويل الأجل، خصوصاً عند احتساب متوسط التكلفة المستوية للكهرباء (LCOE)، التي قد تتراوح بين 3 و4 سنتات فقط على مدى عشر سنوات.
تحول أوسع في مزيج الطاقة
يتجاوز التحول الصناعي حدود المصانع ليعيد تشكيل مزيج الطاقة الوطني نفسه، كما يقول رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول المصري الأسبق، مشيراً إلى أن مصر، التي تعتمد على البترول والغاز بنسبة تقارب 97% في مختلف الاستخدامات، تسعى إلى رفع حصة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% بحلول 2028، مع هدف لاحق يصل إلى 45%.
ويؤكد كمال أن دخول مشروعات كبرى مثل محطة الضبعة النووية، إلى جانب التوسع في الشمس والرياح، قد يغيّر معادلة الاعتماد على الغاز، ويخفض الحاجة إلى الاستيراد بنسبة قد تصل إلى 40%.
كما ينعكس هذا التحول على قطاعات النقل، مع توسع متوقع في السيارات الكهربائية، بما يعيد توزيع الطلب بين الوقود التقليدي والكهرباء، ويدفع نحو ضغط إضافي على الشبكات من جهة، وتراجع في استهلاك الوقود من جهة أخرى.




