اضطرابات الشرق الأوسط تعيد تعريف أمن الطاقة ودور الغاز المسال : CNN الاقتصادية


تدخل أسواق الكهرباء العالمية مرحلة جديدة من التعقيد في ظل اضطرابات متتالية في إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط نتيجة تصاعد الصراع الأميركي الايراني وتعطل تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
وترى وود ماكينزي أن الأزمة الحالية تختلف عن الصدمات التقليدية السابقة، إذ تكشف عن إعادة تعريف شاملة لمفهوم أمن الطاقة، ودور الغاز الطبيعي المسال كوقود انتقالي موثوق.
صدمة جيوسياسية ممتدة تعيد تشكيل سوق الطاقة العالمي
وفق تحليل شركة وود ماكينزي، فإن اضطراب الإمدادات من النفط والغاز الطبيعي المسال من منطقة الشرق الأوسط لم تعد مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل تحولت إلى عامل هيكلي يعيد تشكيل أسواق الكهرباء عالمياً.
وأوضحت وود ماكينزي أن العديد من الأسواق، لا يزال الغاز الطبيعي هو الوقود الهامشي الذي يحدد سعر الكهرباء بالجملة، ما يعني أن أي تغيير في أسعاره سينعكس مباشرة على تكلفة الكهرباء للمستهلكين، سواء في أوروبا أو آسيا أو الأسواق المرتبطة بالعقود العالمية للطاقة.
على جانب آخر، يقول تقرير لشركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة إن المؤشرات الحالية تظهر أن الأزمة لا تتجه نحو الانفراج، بل نحو مزيد من التعقيد؛ فشهر أبريل يسير نحو تسجيل اضطراب أعمق من مارس آذار، مع انخفاض إنتاج دول الشرق الأوسط إلى نحو 14.3 مليون برميل يومياً، أي أقل بثلاثة ملايين برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق، وأكثر من 13 مليون برميل يومياً دون مستويات ما قبل الحرب.
وأضافت ريستاد أن العديد من موانئ بديلة مثل ينبع والفجيرة وجيهان تعمل عند أقصى طاقتها، لكن إجمالي ما تنتجه 6.8 مليون برميل يومياً، منها 4.2 مليون فقط إضافية، ولكنه لا يكفي لتعويض فجوة تتجاوز 16 مليون برميل يومياً كانت تمر عبر مضيق هرمز.
تحول هيكلي في أسواق الكهرباء وليس أزمة عابرة
وأضاف تحليل ماكينزي أنه على رغم من أن أزمة الطاقة الحالية تحمل ملامح مشابهة لأزمة 2022 التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، فإن الفروقات الجوهرية في بنية السوق جعلت تأثيرها أقل حدة حتى الآن.
وذكر: «في تلك الأزمة، أدى فقدان نحو 40% من الإمدادات الأوروبية من الغاز الروسي إلى قفزة تاريخية في الأسعار، وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مع تضاعف متوسط الأسعار السنوي لأكثر من مرتين مقارنة بالعام السابق، أما في الأزمة الحالية، فرغم توقف ما يقارب 80 مليون طن سنوياً من صادرات الغاز الطبيعي المسال المارة عبر مضيق هرمز، فإن السوق لم يشهد الانفجار السعري نفسه، فقد تحركت الأسعار إلى مستويات بين 15 و19 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو ارتفاع محدود نسبياً مقارنة بحجم الإمدادات المفقودة».
مضيق هرمز كعامل حاسم في إعادة التسعير العالمي
ترى وود ماكينزي أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيعيد تشكيل المشهد السعري بشكل أكثر حدة، إذ ستؤدي أي خسارة ممتدة في الإمدادات القطرية إلى إعادة تسعير هيكلي في سوق الغاز العالمي، مع توقعات بارتفاع الأسعار في عام 2027 مقارنة بالتقديرات السابقة قبل الأزمة.
وأعلنت «قطر للطاقة» حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال، في مارس الماضي، إذ أعلنت وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به بسبب هجمات استهدفت منشآت في مدينة رأس لفان الصناعية.
على مستوى أسواق الكهرباء، تظهر الصورة أكثر تبايناً من سوق الغاز، وفق ما تقوله وود ماكينزي، إن في أوروبا، لم تتكرر القفزات الحادة التي شهدتها 2022، إذ بلغ متوسط أسعار الكهرباء في مارس 2026 نحو 90 يورو لكل ميغاواط ساعة، مقارنة بأكثر من 280 يورو خلال ذروة أزمة الطاقة السابقة، ويعكس هذا التحسن الدور المتزايد للطاقة المتجددة والطاقة النووية في تقليل الاعتماد على الغاز كمصدر رئيسي للتسعير.
في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، ارتفعت الأسعار بنسب محدودة تراوحت بين 3% و18% فقط، بينما شهدت فرنسا وإسبانيا انخفاضاً في الأسعار نتيجة ارتفاع مساهمة الطاقة النووية والمتجددة منخفضة التكلفة، وقد أسهم هذا التنويع في كسر الارتباط المباشر بين الغاز والكهرباء في بعض الفترات، رغم أنه لم يُلغِه بالكامل».
إعادة صياغة استراتيجيات أمن الطاقة عالمياً
وتقول ماكينزي إنه في ظل هذه التحولات، تتجه الحكومات إلى إعادة صياغة استراتيجيات أمن الطاقة بشكل جذري، فبدلاً من الاعتماد المفرط على الغاز المستورد، يتم تسريع الاستثمار في ثلاثة مسارات رئيسية، أولها التوسع في الطاقة المتجددة، خاصة الشمسية والرياح، مع التركيز على دمجها في الشبكات الكهربائية، بالإضافة إلى تطوير تقنيات تخزين الطاقة، خصوصًا البطاريات، التي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في ضبط استقرار الأسعار، وإعادة إحياء دور الطاقة النووية والطاقة الحرارية الأرضية كحلول طويلة الأجل لضمان استقرار الإمدادات.
وترى ماكينزي أنه رغم هذا التحول، يبقى الغاز الطبيعي المسال عنصراً حاسماً في النظام العالمي للطاقة، فالأزمة الحالية لم تُضعف دوره بقدر ما أعادت تعريفه، إذ لم يعد يُنظر إليه فقط كوقود انتقالي، بل كعنصر مزدوج يجمع بين وظيفة اقتصادية وأمنية في آن واحد، ومن منظور طويل الأجل، فإن دخول مشاريع جديدة للغاز الطبيعي المسال إلى السوق سيؤدي في النهاية إلى زيادة المعروض وخفض الأسعار، ما قد يعيد تعزيز تنافسية هذا الوقود.




