الحكومات تسابق أسعار الطاقة.. دعم وقيود ومخزونات لمواجهة صدمة هرمز : CNN الاقتصادية

وتكشف هذه التحركات عن عودة الحكومات إلى أدوات التدخل السريع في أسواق الطاقة، بعدما تحوّلت أزمة الإمدادات إلى تهديد مزدوج: تضخم أعلى ونمو أبطأ.
تأتي هذه الإجراءات في وقت أصبحت فيه تكلفة الوقود عاملاً سياسياً واقتصادياً ضاغطاً، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة؛ فارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات لا ينعكس فقط على فواتير الأسر، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والأسمدة والنقل، ما يدفع الحكومات إلى محاولة امتصاص الصدمة قبل أن تتحول إلى اضطرابات اجتماعية أو ضغوط مالية أوسع.
دعم مباشر وتخفيضات ضريبية
في أوروبا، تتحرك الحكومات عبر مزيج من الدعم والضرائب، فالاتحاد الأوروبي يدرس السماح بإنفاق أوسع لدعم الشركات المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، إلى جانب خطط لخفض ضرائب الكهرباء وتنسيق إعادة تعبئة خزانات الغاز خلال الصيف، كما يبحث إلزام الدول بتخزين كميات من وقود الطائرات وإعادة توزيعها وفق الحاجة، في ظل مخاوف من نقص إقليمي.
اليونان أعلنت حزم دعم للوقود والأسمدة وخصومات على تذاكر العبارات بقيمة 300 مليون يورو في أبريل نيسان ومايو أيار، ثم أضافت 500 مليون يورو أخرى لمساعدة الأسر والمزارعين المتضررين من تداعيات الحرب.
أما إيطاليا فمددت خفض الرسوم على الوقود، مع تركيز أكبر على الديزل، بينما خفضت رومانيا ضريبة الإنتاج على الديزل، واتجهت هولندا إلى تخفيضات ضريبية مؤقتة للتعويض عن ارتفاع أسعار الوقود.
وفي بولندا، جرى تمديد إجراءات ضبط أسعار الوقود حتى نهاية مايو أيار على الأقل، مع دراسة فرض ضريبة إضافية على أرباح شركات النفط والغاز الناتجة عن ارتفاع الأسعار، بهدف تمويل خفض الضرائب المحلية على الوقود.
وأعلنت صربيا خفض الرسوم الجمركية على النفط الخام بنسبة تراكمية تصل إلى 60%، ومددت حظر تصدير النفط الخام ومشتقات الوقود.
آسيا بين المخزونات وترشيد الاستهلاك
في آسيا، تتخذ الحكومات إجراءات أكثر تشدداً لضمان الإمدادات المحلية، فاليابان فتحت مخزوناتها النفطية وطبقت دعماً للبنزين، كما خففت القواعد لزيادة استخدام محطات الفحم خلال السنة المالية التي بدأت في أبريل، وتسعى إلى تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الشرق الأوسط، وغيّرت طوكيو معيار حساب دعم أسعار البنزين ليعود إلى خام دبي بدلاً من خام برنت بدءاً من 4 يونيو، بعد تقلص الفارق بين الخامين.
الهند، التي تعتمد بكثافة على واردات النفط، رفعت ضريبة إضافية على صادرات الديزل ووقود الطائرات لضمان توافر الإمدادات محلياً، كما منعت بعض عملاء الغاز الطبيعي عبر الأنابيب من شراء أسطوانات غاز البترول المسال، وخفضت إمدادات الغاز لبعض الصناعات، ودعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي المواطنين والشركات إلى ترشيد استهلاك الوقود وإحياء العمل من المنزل لتقليل استهلاك البنزين والديزل.
إندونيسيا لجأت إلى قيود على مبيعات الوقود وسياسة العمل من المنزل لموظفي الخدمة المدنية، بينما تعتزم بدء تطبيق برنامج الديزل الحيوي B50 في الأول من يوليو تموز، وهو مزيج من 50% ديزل حيوي مصنوع من زيت النخيل و50% ديزل تقليدي، كما رفعَت شركة بيرتامينا الحكومية أسعار بعض أنواع الوقود بنحو الثلث، في أول زيادة منذ بدء الحرب مع إيران.
وفي كوريا الجنوبية، تعمل الحكومة على تخفيف القيود المفروضة على توليد الكهرباء بالفحم ورفع نسبة تشغيل المحطات النووية إلى 80%، إلى جانب حظر صادرات النافثا لتعزيز الإمدادات المحلية.
وعلّقت الفلبين سوق الكهرباء الفورية بالجملة في مارس بسبب مخاطر إمدادات الوقود وتقلبات الأسعار، وفعّلت صندوق طوارئ بقيمة 20 مليار بيزو لتعزيز أمن الوقود.
الأسواق الناشئة تبحث عن التمويل
تواجه الاقتصادات الناشئة ضغوطاً أكبر، لأن ارتفاع الطاقة يضرب فواتير الاستيراد والعملة والتضخم في وقت واحد.
مصر وقّعت في 13 مايو أيار اتفاقية قرض بقيمة 1.5 مليار دولار مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة لدعم الأمن الغذائي والطاقي، كما قررت إبطاء وتيرة المشروعات الحكومية الكبيرة كثيفة استهلاك الوقود والديزل لمدة شهرين على الأقل، وخفض مخصصات الوقود لجميع المركبات الحكومية بنسبة 30%، إلى جانب تحديد سقف لسعر الخبز غير المدعوم في المخابز الخاصة.
وتسعى بنغلاديش للحصول على مليارات الدولارات من التمويل الخارجي لتأمين واردات الوقود والغاز الطبيعي المسال، لكنها رفعت أسعار الوقود بالتجزئة للمرة الثانية خلال ستة أسابيع بدءاً من الأول من يونيو حزيران، بزيادة 5 تاكا للتر البنزين والكيروسين، في خطوة قد تزيد الضغوط التضخمية على اقتصاد يعتمد بكثافة على الاستيراد.
وفي سريلانكا، رفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي 100 نقطة أساس مع تصاعد التضخم وتراجع العملة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وتُجري البلاد محادثات لشراء النفط الخام والوقود من روسيا والصين، وتعتمد على تمويل دولي وهندي بقيمة 1.73 مليار دولار لمواجهة التداعيات المالية، بعدما فرضت تقنيناً للوقود وأعلنت عطلة رسمية.
أميركا اللاتينية وإفريقيا.. دعم وانتقائية في الرسوم
البرازيل أعلنت إجراءات تشمل دعم الديزل وغاز البترول المسال، وخفض الضرائب على وقود الطائرات والديزل الحيوي، كما تدرس تسريع اختبار مزج نسب أعلى من الديزل الحيوي في الديزل التقليدي.
وقال وزير المالية داريو دوريغان في 9 يونيو حزيران إن الحكومة ستتخذ إجراءات للحد من تأثير النزاع على أسعار الوقود طالما استمر، مع تجديد التدابير القائمة بحذر.
في الأرجنتين، رفعت الحكومة جزئياً ضرائب الوقود لكنها أجلت أي زيادات إضافية حتى يونيو حزيران.
وفي كينيا، قال الرئيس وليام روتو إن الحكومة ستخفض سعر الديزل لتخفيف الأعباء عن المستهلكين بعد احتجاجات على ارتفاع أسعار الطاقة.
أما ناميبيا فقررت خفض رسوم الوقود مؤقتاً بنسبة 50% لمدة ثلاثة أشهر على الأقل حتى نهاية يونيو حزيران.

أسعار الطاقة تربك حسابات الحكومات (شترستوك)
واتجهت موريشيوس إلى ترشيد استهلاك الطاقة عبر تقليص استخدام الكهرباء في الأغراض غير الأساسية مثل الإضاءة الزخرفية وتدفئة المسابح والنوافير. وفي نيجيريا، زادت مصفاة دانغوت، الأكبر في أفريقيا، صادرات البنزين واليوريا إلى دول إفريقية متضررة من اضطرابات الإمدادات.
أمن الطاقة يعود إلى مقدمة السياسات
تُظهر الإجراءات المتخذة أن أزمة الطاقة الحالية لا تُدار فقط باعتبارها صدمة أسعار، بل باعتبارها اختباراً لأمن الإمدادات.
قالت ماليزيا إنها ضمنت إمدادات كافية حتى نهاية يوليو تموز، لكنها رفعت الإنفاق على دعم البنزين إلى ملياري رينغيت من 700 مليون رينغيت للحفاظ على السعر الثابت، كما أمرت وزارة المالية بخفض ميزانيات التشغيل الحكومية لعام 2026 بسبب تكاليف الحرب.
أستراليا بدأت السحب من احتياطيات البنزين والديزل لتخفيف النقص الذي يضغط على سلاسل الإمداد الريفية وقطاعات التعدين والزراعة، وشجع رئيس الوزراء المواطنين على استخدام النقل العام.
وباكستان تخطط لزيادة مخزونها المحلي من النفط الخام والمنتجات المكررة لتعزيز أمن الطاقة.
أما الصين فتعهدت قيادتها بتعزيز أمن الطاقة مع السعي إلى اكتفاء ذاتي أكبر وتطوير تكنولوجي أسرع، وشددت بكين في مارس آذار القيود على صادرات معظم منتجات الأسمدة لحماية مزارعيها، ثم أصدرت في 27 مايو حصص تصدير لليوريا، في خطوة قد تساعد على تخفيف الارتفاع العالمي في أسعار أحد أهم مغذيات المحاصيل.
كلفة مالية متزايدة
تضع هذه التدخلات المالية العامة تحت ضغط جديد؛ فالدعم وخفض الضرائب يحميان الأسر مؤقتاً، لكنهما يوسّعان عجز الموازنات، خصوصاً في الاقتصادات التي تعاني أصلاً من ارتفاع الدين أو ضعف العملة، كما أن القيود على الصادرات والسحب من المخزونات قد تخفف النقص المحلي، لكنها قد تنقل الضغط إلى الأسواق العالمية وتزيد التقلبات.
وتكشف الأزمة عن مفارقة أوسع: فالحكومات التي تعهدت خلال السنوات الماضية بتقليص دعم الوقود الأحفوري تجد نفسها مضطرة إلى توسيعه مؤقتاً لحماية المستهلكين والشركات.
وفي المقابل، تدفع الصدمة بعض الدول إلى تسريع التحول نحو الكهرباء والطاقة المتجددة والوقود الحيوي، لكنها في الوقت نفسه تعيد الفحم والطاقة النووية إلى قلب خطط الطوارئ.
ومع استمرار الغموض حول مسار الحرب ومضيق هرمز، تبدو هذه الإجراءات أقرب إلى خطوط دفاع أولى لا حلول نهائية، فكلما طال أمد اضطراب الإمدادات، زادت كلفة الدعم، واتسع أثر ارتفاع الطاقة على الغذاء والنقل والتضخم، ما يجعل إدارة الأزمة اختباراً لقدرة الحكومات على الموازنة بين حماية المستهلكين والحفاظ على استقرار مالياتها العامة.




